كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٧ - علم البديع
و الحارث؛ و قوله بطرق مختلفة، أي في طرق مختلفة؛ و المراد بالطرق التراكيب، و يستفاد منه أنه لا بد في البيان من أن تكون بالنسبة إلى كل معنى طرق ثلاثة على ما هو أدنى الجمع، و لا بعد فيه لأن المعنى الواحد الذي نحن فيه له مسند و مسند إليه، و نسبة لكل منها دال يجري فيه المجاز سيّما باعتبار المعنى الالتزامي المعتبر في هذا الفن، فتحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة. و لا يشكل عليك أنه و إن تتحقق الطرق الثلاثة بالاعتبار المذكور، و أزيد لكن كيف يجزم بتحقق الاختلاف في الوضوح و هو خفي جدّا، فإنّ الأمر هيّن إذ الاختلاف في الوضوح و الخفاء كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازي و بعده من المعنى الحقيقي، يكون بوضوح القرينة المنصوبة و خفائها فلا محالة تتحقق [١] المعاني المختلفة وضوحا و خفاء و لو باعتبار القرائن التي نصبها في تصرّف البليغ؛ فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على تقدير أن يكون لها طرق مختلفة مما لا حاجة إليه.
بقي هاهنا شيء و هو أنه كما أنّ الاقتدار على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من [٢] مزايا البلاغة، كذلك الاقتدار على إيراده بطرق متساوية في الوضوح، فلا معنى لإدخال الأول تحت البيان دون الثاني إلّا أن يقال هذا تعريف بخاصة شاملة للمعرف و لا يلزم منه ان يكون كل ما يغاير هذه الخاصة خارجا عن وظائف البيان. ثم المختلفة تشتمل المختلفة في الكلمات التي هي أجزاء المركّب و المختلفة في وضوح الدلالة، فالطرق المختلفة في الأول ليس من البيان فأخرجه بقوله في وضوح الدلالة، إمّا لأنه أراد بالدلالة الدلالة العقلية لما أنّه تقرّر من أنّ الاختلاف المذكور لا يجري إلّا في الدلالات العقلية، و إمّا لأنّ الاختلاف في وضوح الدلالة يخصّ الدلالة العقلية، فلا حاجة إلى تقييد الدلالة بالعقلية لإخراج الطرق المختلفة بالعبارة، و ترك في التعريف ذكر الخفاء، و إن ذكر في المفتاح للاختصار و لاستلزام الاختلاف في الوضوح الاختلاف في الخفاء. و قوله عليه، أي على المعنى الواحد، و إن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الأطول. و موضوعه اللفظ البليغ من حيث أنه كيف يستفاد منه المعنى الزائد على أصل المعنى.
علم البديع:
و هو علم تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، و بعد رعاية وضوح الدلالة، كذا ذكر الخطيب؛ أي علم يعرف به كل وجه جزئي يرد على سامع الكلام البليغ و المتلفّظ به على ما في الأطول. و ليس المراد بوجوه التحسين مفهومها الأعمّ الشامل للمطابقة، و الخلو عن التعقيد المعنوي، و غير ذلك مما يورث الكلام حسنا، سواء كان داخلا في البلاغة أو غير داخل فيها مما يتبيّن في علم المعاني و البيان و اللغة و الصرف و النحو، لأنه يدخل فيها حينئذ بعض ما ليس من المحسنات التابعة لبلاغة الكلام كالخلو من التنافر و مخالفة القياس و ضعف التأليف، لأن البلاغة موقوفة على الخلوّ عنها، فلا يكون الخلوّ عنها من المحسّنات التابعة لبلاغة الكلام، ضرورة أنها تكون بعد البلاغة، بل المراد منها ما سواها مما لا دخل له في البلاغة من المحسنات. فقوله بعد رعاية مطابقة الكلام الخ، ليس للاحتراز عن تلك الأمور لعدم دخولها في وجوه التحسين، بل للتنبيه
[١] تحقق (م).
[٢] بين (م).