كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٨٢ - خاتمة
على نسبة إلى غيره. و لا شك أنّ تلك النسبة غيره و قد يكون لا هو و لا غيره كالعليم و القدير ممّا يدلّ على صفة حقيقية قائمة بذاته، فإنّ تلك الصفة لا هو و لا غيره عنده فهكذا الذات المأخوذة معها.
قال الآمدي: اتفق العقلاء على المغايرة بين التسمية و المسمّى، و ذهب أكثر أصحابنا إلى أن التسمية هي نفس الأقوال الدالة، و إنّ الاسم هو نفس المدلول، ثم اختلف هؤلاء، فذهب ابن فورك [١] و غيره إلى أن كل اسم فهو المسمّى بعينه. فقولك: اللّه دالّ على اسم هو المسمّى، و كذلك قولك عالم و خالق فإنه يدلّ على ذات الربّ الموصوف بكونه عالما و خالقا. و قال بعضهم من الأسماء ما هو عين كالموجود و الذات و منها ما هو غير كالخالق، فإنّ المسمّى ذاته، و الاسم هو نفس الخلق و خلقه غير ذاته، و منها ما ليس عينا و لا غيرا كالعالم فإن المسمّى ذاته و الاسم علمه الذي ليس عين ذاته و لا غيرها. و توضيح ذلك أنهم لم يريدوا بالتسمية اللفظ و بالاسم مدلوله كما يريدون بالوصف قول الواصف و بالصفة مدلوله، ثم إنّ ابن فورك و من يوافقه اعتبروا المدلول المطابقي و أرادوا بالمسمّى ما وضع الاسم بإزائه، فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمّى. و البعض أراد بالمسمّى ما يطلق عليه الاسم، و أخذ المدلول أعمّ من المطابقي و اعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة، فزعم أنّ مدلول الخالق الخلق و أنه غير ذات الخالق بناء على ما تقرّر من أنّ صفات الأفعال غير الموصوف، و أن الصفات التي لا عينه و لا غيره هي التي يمتنع انفكاكها عن موصوفها. ثم إنّ الأشعري أراد بالمسمّى ما يطلق عليه الاسم، أعني الذات، و أعتبر المدلول المطابقي و حكم بغيرية هذا المدلول أو بكونه لا هو و لا غيره باعتبار المدلول التضمني. و ذهب المعتزلة إلى أنّ الاسم هو التسمية و وافقهم على ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا. و ذهب الأستاذ أبو نصر بن أيوب إلى أنّ لفظ الاسم مشترك بين التسمية و المسمّى، فيطلق على كل منهما و يفهم المقصود بحسب القرائن. و لا يخفى عليك أن النزاع على قول أبي نصر في لفظ ا س م، و أنها تطلق على الألفاظ فيكون الاسم عين التسمية بالمعنى المذكور، أي القول الدال لا بمعنى فعل الواضع و هو وضع الاسم للمعنى، أو تطلق على مدلولاتها فيكون عين المسمّى، و كلا الاستعمالين ثابت، كما في قولك:
الأسماء و الأفعال و الحروف، و قوله تعالى:
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [٢] أي مسمّاه، و قول لبيد: [٣] اسم السلام عليكما. و قال الإمام الرازي:
المشهور عن أصحابنا أن الاسم هو المسمّى، و عن المعتزلة أنه التسمية، و عن الغزالي أنه مغاير لهما لأن النسبة و طرفيها مغايرة قطعا، و الناس قد طوّلوا في هذه المسألة، و هو عندي فضول لأن الاسم هو اللفظ المخصوص و المسمّى ما وضع ذلك اللفظ بإزائه، فنقول:
الاسم قد يكون غير المسمّى، فإنّ لفظ الجدار مغاير لحقيقة الجدار و قد يكون عينه، فإن لفظ الاسم اسم للفظ دال على معنى مجرّد عن
[١] هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر. توفي بالقرب من نيسابور عام ٤٠٦ ه/ ١٠١٥ م واعظ، عالم بالأصول و الكلام، فقيه شافعي. له كتب كثيرة و متنوعة. الأعلام ٦/ ٨٣، طبقات السبكي ٣/ ٥٢، تبيين كذب المفتري ٢٣٢، النجوم الزاهرة ٤/ ٢٤٠، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٢، اللباب ٢/ ٢٢٦، معجم المفسرين ٢/ ٥١٤.
[٢] الرحمن/ ٧٨.
[٣] لبيد (الشاعر العامري) هو لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري. توفي عام ٤١ ه/ ٦٦١ م. أحد فحول الشعر في الجاهلية. أدرك الإسلام و صحب النبي صلى اللّه عليه و سلم. له معلّقة مشهورة، طبع شعره في ديوان. الأعلام ٥/ ٢٤٠، خزانة ١/ ٣٣٧، مطالع البدور ١/ ٥٢، سمط اللآلي ١٣، آداب اللغة ١/ ١١١، الشعر و الشعراء ٢٣١، جمهرة أشعار العرب ٣٠.