كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٨٠ - خاتمة
الأعمال المشروعة ما روي «الإيمان اعتقاد بالقلب و إقرار باللسان و عمل بالأركان» [١]. هذا كله خلاصة ما ذكر ابن الحجر في شرح الأربعين للنووي في شرح الحديث الثاني.
أسلوب الحكيم:
[في الانكليزية]The method of the wise )pun(
[في الفرنسية]La methode du sage )calembour(
عند أهل المعاني هو تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها له على أنه هو الأولى بالقصد، و هو من خلاف مقتضى الظاهر، كقول القبعثرى [٢] للحجاج [٣] حين قال الحجاج له مخوّفا إيّاه: لأحملنّك على الأدهم، يعني به القيد، مثل الأمير يحمل على الأدهم و الاشهب. فأبرز القبعثرى وعيد الحجاج في معرض الوعد و تلقاه بغير ما يترقب بأن حمل لفظ الادهم الذي في كلام الحجاج على الفرس الأدهم، أي الذي غلب سواده حتى ذهب البياض الذي فيه، و ضم إليه الأشهب أي الذي غلب بياضه حتى ذهب ما فيه من السواد قرينة على تعيين مراد القبعثرى و دفعا لمراد الحجاج، فإن مراد الحجاج إنما هو القيد، فنبّه على أنّ الحمل على الفرس الأدهم هو الأولى بأن يقصده الأمير؛ اي من كان مثل الأمير في السلطنة و بسط اليد فجدير بأن يقصد بأن يعطى المال لا أن يقصد بأن يقيد و يعذب بالنكال. ثم قال الحجاج له ثانيا: أردت به الحديد، فقال القبعثرى: الحديد خير من البليد، فحمل الحديد أيضا على خلاف مراد الحجاج أي الجلد الماضي في الأمور.
و أصل القصة أن القبعثرى الشاعر كان جالسا في بستان مع جملة الأدباء، و كان الزمان زمان الحصرم فجرى ذكر الحجاج في ذلك المجلس فقال القبعثرى تعريضا على الحجاج:
اللهم سوّد وجهه و اقطع عنقه و اسقني من دمه، فأخبر الحجاج بذلك فأحضر القبعثرى و هدّده، فقال القبعثرى أردت بذلك الحصرم. فقال له الحجاج لأحملنك إلى آخر القصة. فانظر إلى ذكاوة القبعثرى فقد سخر الحجاج بهذا الأسلوب حتى تجاوز عن جريمته و أحسن إليه و أنعم عليه، هكذا في المطول و حاشية الجلبي في آخر الباب الثاني.
و لفظ الأسلوب بضم الهمزة و سكون السين بمعني روشن و راه،- المنير و الطريق- و وجه التسمية ظاهر. و في اصطلاحات الجرجاني أسلوب الحكيم هو عبارة عن ذكر الأهمّ تعريضا للمتكلم على تركه الأهم كما قال الخضر عليه السلام حين سلّم عليه موسى عليه السلام إنكارا لسلامه لأن السلام لم يكن معهودا في تلك الأرض بقوله: إنّى بأرضك السلام. فقال موسى عليه السلام: في جوابه أنا موسى، كأنه قال أجبت عن اللائق بك و هو أن تستفهم عني لا عن سلامي بأرضي، فقول موسى هو أسلوب الحكيم انتهى.
و في المطول و يلقى السائل بغير ما يترقب [٤] تنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنّ
[١] أخرجه الطبراني بلفظ: «الإيمان معرفة بالقلب و قول باللسان و عمل بالأركان»، برواية علي بن أبي طالب. كنز العمال، ١/ ٢٣.
[٢] هو الغضبان بن القبعثرى الشيباني، كان حيا في نهاية القرن الأول الهجري. و هو من الذين هجوا الحجاج. أنساب الأشراف/ ١١٤- ١٢٤.
[٣] الحجاج: هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد. ولد بالطائف عام ٤٠ ه/ ٦٦٠ م. و توفي بواسط عام ٩٥ ه/ ٧١٤ م. قائد، داهية، خطيب. و من ولاة الأمويين الشداد. فتك بالثورات و أحمد الفتن. و هو الذي بني مدينة واسط بين الكوفة و البصرة، و كتب عنه الكثيرون. الأعلام ٢/ ١٦٨، معجم البلدان ٨/ ٣٨٢، وفيات الأعيان ١/ ١٢٣، تاريخ المسعودي ٢/ ١٠٣، تهذيب التهذيب ٢/ ٢١٠، ابن الأثير ٤/ ٢٢٢، البدء و التاريخ ٦/ ٢٨.
[٤] يتطلب (ع) يتطلب غيره (م).