كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠٣١ - فائدة
لفظا يصحّ به وزن الشّعر و قافيته، فيحتاج إلى التخيّل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ، فإذا صدر منه كلام فيه متحرّكات و سكنات يكون شعرا لأنّه قصد منه الإتيان بألفاظ حروفها متحرّكة و ساكنة كذلك، و المعنى يتبعه. و الشارع قصد المعنى فجاء على ذلك الألفاظ فيكون اللفظ منه تبعا للمعنى. و على هذا ما صدر من النبي عليه السلام كلام كثير موزون مقفّى لا يكون شعرا لعدم قصده إلى اللفظ قصدا أوليا.
كما روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه و سلم حين أصيبت إصبعه بالقطع و الجرح عند عمل من الأعمال دون الجهاد قال تحسرا و حزنا:
هل أنت إلّا إصبع دميت. و في سبيل اللّه ما لقيت و هذا لا يسمّى شعرا لعدم القصد و قد مرّ في لفظ الرجز. و يؤيّد ما ذكرنا أنّك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزونا واقعا في بحر من بحور الشعر و لا يسمّى المتكلّم به شاعرا و لا الكلام شعرا لعدم القصد إلى اللفظ أولا. و هاهنا لطيفة و هو أنّ النبي عليه السلام قال إنّ من الشعر لحكمة، يعني قد يقصد الشاعر اللفظ أولا فيوافقه معنى حكمي، كما أنّ الحكيم قد يقصد معنى فيوافقه وزن شعري، لكنّ الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصير شاعرا، و الشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيما، حيث سمّى النبي عليه السلام شعره حكمة، و نفي اللّه كون النبي شاعرا، و ذلك لأنّ اللفظ قالب المعنى و المعنى قلب اللفظ و روحه، فإذا وجد القلب لا ينظر إلى القالب فيكون الحكيم الموزون كلامه حكيما و لا يخرجه عن الحكمة وزن كلامه، و الشاعر الموعظي كلامه حكيما، هكذا ذكر الإمام الرازي في التفسير الكبير في سورة يس في تفسير قوله تعالى:
وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [١]. و بالجملة فالشعر ما قصد وزنه أوّلا و بالذات ثم يتكلّم به مراعى جانب الوزن فيتبعه المعنى، فلا يرد ما يتوهّم من أنّ اللّه تعالى لا تخفى عليه خافية و فاعل بالاختيار، فالكلام الموزون الصادر عنه سبحانه معلوم له تعالى كونه موزونا، و صادر عن قصد و اختيار فلا معنى لنفي كون وزنه مقصودا، لأنّ الكلام الموزون و إن صدر عنه تعالى عن قصد و اختيار لكن لم يصدر عن قصد أوّلي، و هو المراد [٢] هاهنا، فتأمّل كذا ذكر الچلپي في حاشية شرح المواقف.
فائدة:
لا بأس بالشعر إذا كان توحيدا أو حثّا على مكارم الأخلاق من جهاد و عبادة و حفظ فرج و غضّ بصر و صلة رحم و شبهه، أو مدحا للنبي عليه السلام و الصالحين بما هو الحقّ.
و كان أبو بكر و عمر شاعرين، و كان عليّ أشعر الثلاثة. و لما نزل: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [٣] الآية جاء حسان و ابن رواحة [٤] و غيرهم إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم و كان غالب شعرهم توحيدا و ذكرا، فقالوا يا رسول اللّه: قد نزلت هذه الآية، و اللّه يعلم إنّا شعراء. فقال عليه السلام «إنّ المؤمن يجاهد بسيفه و لسانه، و إنّ الذي ترمونهم به نضح النبل» [٥] و نزل كذا ذكر أحمد و الرازي في تفسيره. و في البيضاوي أيضا مثله حيث قال: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ، أَ لَمْ
[١] يس/ ٦٩. [٢] المقصود (م، ع). [٣] الشعراء/ ٢٢٤. [٤] هو عبد اللّه بن رواحه بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو محمد.
توفي عام ٨ ه/ ٦٢٩ م. صحابي جليل، و قائد أمير، شاعر راجز. شاهد الفتوح و شارك في
كثير منها و استشهد بمعركة مؤتة بالشام. الأعلام ٤/ ٨٦، تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٢، صفة
الصفوة ١/ ١٩١، حلية الأولياء ١/ ١١٨، ابن عساكر ٧/ ٣٧٨، طبقات ابن سعد ٣/ ٧٩. [٥] أحمد، المسند، ٦/ ٣٨٧.