الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٧ - التّفسير
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
فقد أحكم اللّه العزيز القدير خطّة إرسال الأنبياء و نفذها بكل دقة، و بهذا تؤكد الآية وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً فحكمته توجب تحقيق هذا العمل، و قدرته تمهد السبيل إلى تنفيذه، و على عكس ذلك فإن إهمال هذا الأمر المهم، إمّا أن يدل على الافتقار إلى الحكمة و المعرفة، أو أنّه دلالة على العجز، و اللّه منزّه عن كل هذه العيوب.
أمّا الآية الأخرى فهي تطمئن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و توضح له أن المهم هو أنّ اللّه قد شهد بما أنزل عليه من كتاب، و ليس المهم أن يؤمن نفر من هؤلاء بهذا الكتاب أو يكفروا به- فتؤكد الآية في هذا المجال- لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ.
و لم يكن اختيار اللّه لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمنصب النّبوة أمرا عبثا- و العياذ باللّه- بل كان هذا الإختيار نابعا من علم اللّه بما كان يتمتع به النّبي من لياقة و كفاءة لهذا المنصب العظيم، و لنزول آيات اللّه عليه- حيث تقول الآية: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ.
و يمكن- أيضا- أن تشمل هذه الآية معنى آخر، و هو أن ما نزل على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من آيات إنّما ينبع من بحر علم اللّه اللامتناهي، و إن محتوى هذه الآيات يعتبر دليلا واضحا على أنّها نابعة من علم اللّه- و على هذا الأساس فإن الشاهد على صدق ادعاء النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو الآيات القرآنية، و لا يحتاج إلى دليل آخر لإثبات دعوته، فلو لم يكن محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتلقى الوحي من قبل اللّه سبحانه و تعالى لما أمكنه أبدا- و هو المعروف بالأمي- أن يأتي بكتاب كالقرآن يشتمل على أرفع و أسمى التعاليم و الفلسفات و القوانين و المبادئ الأخلاقية و البرامج الاجتماعية.
و القرآن الكريم يؤكّد أن ليس اللّه وحده الذي يشهد بأن دعوة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هي الحق، بل يشهد معه ملائكته بأحقّية هذه الدعوة، مع أن شهادة اللّه كافية وحدها في هذا المجال تقول الآية الكريمة: وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً.