الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٣ - إعداد المؤمنين للجهاد
الحياة المادية الدنيئة، و يعتبرونها أرفع و أكبر من الأهداف الإلهية المقدسة و الأهداف الإنسانية السامية، فلا يمكن أن يكونوا أبدا مجاهدين صالحين.
و تستمر الآية مبينة أنّ مصير المجاهدين الحقيقيين الذين باعوا الحياة الدنيا بالآخرة واضح لا يخرج عن حالتين: إمّا النصر على الأعداء، أو الشهادة في سبيل اللّه، و هم في كلتا الحالتين ينالون الأجر و الثواب العظيم من اللّه تعالى ... وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً و بديهي أن جنودا كهؤلاء لا يفهمون معنى الهزيمة، فهم يرون النصر إلى جانبهم في الحالتين:
سواء تغلّبوا على العدو، أو نالوا الشهادة في سبيل اللّه، و مثل هذه المعنويات كفيلة بأن تمهد الطريق للانتصار على العدو، و يعتبر التاريخ خير شاهد على أنّ هذه المعنويات هي العامل في انتصار المسلمين على أعداء فأقوهم عددا و عدّة.
و يؤكّد هذا الأمر حتى المفكرون من غير المسلمين ممن كتبوا عن انتصارات المسلمين السريعة التي حققوها في عصر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في العصور التالية، فهؤلاء المفكرون يرون أن منطق الفوز بإحدى الحسنيين أحد العوامل الحاسمة في تقدم المسلمين.
يقول مؤرخ غربي مشهور في كتاب له في هذا المجال: إنّ المسلمين لم يكونوا ليخافوا الموت في سبيل دينهم الجديد، لما وعدوا به من هبات إلهية في الآخرة، و أنّهم لم يعتقدوا بأصالة خلود هذه الحياة الدنيا، و لذلك فهم قد تنازلوا عن هذه الحياة في سبيل العقيدة و الهدف [١].
و الجدير ذكره هنا هو أنّ هذه الآية- و آيات أخرى من القرآن الكريم- اعتبرت الجهاد أمرا مقدسا إذا كان في سبيل اللّه، و من أجل إنقاذ البشر، و إحياء مبادئ الحق و العدالة و الطهارة و التقوى، على عكس الحروب التي تشن بهدف التوسع و بدافع من التعصب و التوحش و الاستعمار و الاستغلال.
[١]- راجع غوستاف لوبون، تاريخ الحضارة الإسلامية و العربية.