الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٧ - عقاب ذي الوجهين
الآية السابقة و أمرت بقبول الصلح منها، و الطائفة تتشكل من أفراد نفعيين انتهازيين، همّهم الوحيد تحقيق مصالحهم و التحرك بحرية تامّة لدى المسلمين، و قريش عن طريق الرياء و الخيانة و الخداع، و التظاهر بتأييد و اتباع الجانبين و التعاون معهما، و في هذا المجال تقول الآية الكريمة: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ....
و هؤلاء حين تسنح لهم الفرصة ينقلبون على أعقابهم و ينغمسون في الفتنة و الشرك نكسا على رؤوسهم كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ....
و عمل هؤلاء و سلوكهم على عكس سلوك الطائفة السابقة التي أرادت أن تبقى على الحياد فقد تجنبت الفئة السابقة إيذاء المسلمين، أمّا هذه الأخيرة فقد انطوت سريرتها على إيذاء المسلمين و الوقوف ضدهم.
و قد اشترط القرآن الكريم على هذه الطائفة ثلاثة شروط من أجل أن تبقى في مأمن من انتقام المسلمين، و هذه الشروط هي: اعتزال المسلمين، أو مصالحتهم، أو الكف عن إيذائهم حيث تقول الآية الكريمة: فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ....
و إذا رفضت هذه الطائفة الشروط المذكورة و أصرت على العصيان و التمرد، فالمسلمون مكلّفون عند ذلك بإلقاء القبض على أفرادها و قتلهم أينما وجدوا، كما تقول الآية: فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ.
و لما كانت الحجّة قد تمّت على هؤلاء، تقول الآية في الخاتمة: أُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً.
و قد يكون هذا التسلط في مجال الكلام و المنطق إذا تغلب منطق المسلمين على منطق المشركين و الكافرين، و قد يكون سلطانا ماديا ظاهريا عليهم لأنّ الآية نزلت في وقت كان المسلمون يتمتعون فيه بقدر كاف من القوّة.
و تشير عبارة «ثقفتموهم» الواردة في الآية إلى احتياج المسلمين إلى الدقة