الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧ - أوضح السّبل لمعرفة اللّه
كلّه، و يخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء و يتلو القرآن- و يردد هذه الآيات- فمرّ بي بعد هدوء الليل، فقال: يا نوف أ راقد أنت أم رامق؟.
قلت: بل رامق ببصري يا أمير المؤمنين.
قال: «يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك الذين اتخذوا الأرض بساطا، و ترابها فراشا، و ماءها طيبا، و القرآن دثارا، و الدعاء شعارا ...» [١].
التّفسير
أوضح السّبل لمعرفة اللّه:
آيات القرآن الكريم ليست للقراءة و التلاوة فقط، بل نزلت لكي يفهم الناس مقاصدها و يدركوا معانيها، و ما التّلاوة و القراءة إلّا مقدمة لتحقيق هذا الهدف، أي التفكر و التدبر و الفهم، و لهذا جاء القرآن في الآية الأولى من الآيات الحاضرة يشير إلى عظمة خلق السماوات و الأرض، و يقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [٢].
و بهذا يحثّ الناس على التفكر في هذا الخلق البديع و العظيم، ليصيب كلّ واحد منهم- بقدر استعداده، و قدرته على الإستيعاب- من هذا البحر العظيم الذي لا يدرك له ساحل و لا قعر، و يرتوي من منهل أسرار الخلق العذب.
حقّا أنّ هذا الكون العظيم بما فيه من نظام متقن و بديع، و نقوش رائعة، و لوحات خلابة كتاب بالغ العظمة، كتاب في كلّ حرف من حروفه، و كل سطر من أسطره دليل ساطع على وجود اللّه الخالق المبدع و وحدانيته، و تفرّده [٣].
[١]- سفينة البحار، مادة نوف، ج ٢، ص ٦٢٢.
[٢]- التعبير بأولي الألباب- في هذه الآية و آيات عديدة اخرى في الكتاب العزيز- إشارة لطيفة إلى أرباب العقول، لأن اللب من كلّ شيء خيره خالصه، و لا شك أنّ العقل هو خير ما في الإنسان، و هو عصارة وجوده الإنساني.
[٣]- لقد بحثنا في المجلد الأوّل من هذا التّفسير في معنى اختلاف الليل و النهار و أسرارهما عند تفسير الآية ١٦٤ من سورة البقرة فراجع.