الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٤ - التّناسب بين الذّنب و العقاب
و واضح أنّ وصف العذاب بواحد من الصفات يتناسب مع نوع الذنب، و لذلك فقد ورد في كثير من الآيات القرآنية أنّ عقاب الظالمين هو العذاب الأليم، لأنّه يتناسب و ألم الظلم الذي يمارسه الظالم على المظلوم، و هكذا بالنسبة للأنواع الأخرى من العذاب، و قد قصدنا بهذا الشرح تقريب مسألة العذاب إلى الأذهان، علما بأنّ العذاب الأخروي شيء لا يمكن مقارنته بما هو موجود من عذاب في حياتنا الدنيوية هذه.
و قد تطرقت الآية الأخيرة إلى موقف المؤمنين الذين آمنوا باللّه و بجميع أنبيائه و رسله و لم يفرقوا بين أي من الأنبياء و الرسل و أخلصوا للحق، و كافحوا كل أنواع العصبيات الباطلة، و بيّنت أنّ اللّه سيوفّي هؤلاء المؤمنين أجرهم و ثوابهم في القريب العاجل، فتقول الآية: وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ....
و بديهي أنّ الإيمان بجميع الأنبياء و الرسل لا يتنافى و مسألة تفضيل بعضهم على البعض الآخر، لأنّ مسألة التفاضل هذه ترتبط ارتباطا وثيقا بأهمية و عظم المسؤولية التي تحمّلها كل منهم، و طبيعي أنّ المسؤوليات المناطة بالأنبياء عليهم السّلام تتفاوت من حيث الأهمية و الخطورة بالنسبة لكل منهم، و قد ثبت هذا الأمر بالدليل القطعي و المهم هنا أن لا يحصل تمايز أو تفريق في الإيمان بالأنبياء و الإقرار بنبوّتهم.
و قد أكدت الآية في الختام أنّ اللّه سيغفر للمؤمنين الذين ارتكبوا اخطاء بالانجرار وراء العصبيات و ممارسة التفرقة بين الأنبياء إن أخلص هؤلاء المؤمنون في إيمانهم و عادوا إلى اللّه، أي تابوا إليه من اخطائهم السابقة، حيث تقول الآية: وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
و يجب الانتباه هنا إلى أنّ الآيات الأخيرة ذكرت الذين يعمدون إلى التفرقة بين الأنبياء بأنّهم كفار حقيقيون، بينما لم تذكر الذين يؤمنون بجميع الأنبياء بأنّهم