الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٧ - المسيح هو عبد اللّه
التّفسير
المسيح هو عبد اللّه:
على الرغم من أنّ هاتين الآيتين لهما سبب نزول خاص بهما، إلّا أنّهما جاءتا في سياق الآيات السابقة التي تحدثت في نفي الألوهية عن المسيح عليه السّلام و علاقتهما بالآيات السابقة في دحض قضية التثليث واضحة و جلية.
في البداية تشير الآية الأولى إلى دليل آخر لدحض دعوى ألوهية المسيح، فتقول مخاطبة المسيحيين: كيف تعتقدون بألوهية عيسى عليه السّلام في حين أنّ المسيح لم يستنكف عن عبادة اللّه و الخضوع بالعبودية له سبحانه، كما لم يستنكف الملائكة المقرّبون من هذه العبادة؟ حيث قالت الآية: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
و بديهي أنّ من يكون عبدا لا يمكن أن يصبح معبودا في آن واحد، فهل يمكن أن يعبد فرد نفسه؟ أو هل يكون العابد و المعبود و الرّب فردا واحدا؟
و في هذا المجال ينقل بعض المفسّرين حادثة طريفة تحكي أن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام لكي يدين و يفند عقيدة التثليث المنحرفة قال لكبير المسيحيين في ذلك الحين- و كان يلقب ب «الجاثليق»- بأنّ المسيح عليه السّلام كان حسنا في كل شيء لو لا وجود عيب واحد فيه، و هو قلة عبادته للّه، فغضب الجاثليق و قال للإمام الرضا عليه السّلام: ما أعظم هذا الخطأ الذي وقعت فيه، إنّ عيسى المسيح كان من أكثر أهل زمانه عبادة، فسأله الإمام عليه السّلام على الفور: و من كان يعبده المسيح؟! فها أنت قد أقررت بنفسك أنّ المسيح كان عبدا و مخلوقا للّه و أنّه كان يعبد اللّه و لم يكن معبودا و لا ربّا؟ فسكت الجاثليق و لم يحر جوابا. [١] بعد ذلك تشير الآية إلى أن الذين يمتنعون عن عبادة اللّه و الخضوع له بالعبودية، يكون امتناعهم هذا ناشئا عن التكبر و الأنانية و إنّ اللّه سيحضر هؤلاء
[١]- مناقب ابن شهر آشوب، ج ٤، ص ٣٥٢.