الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٠ - أرجى آيات القرآن
و هذه الآية من الآيات التي تطمئن الموحدين إلى رحمة اللّه و لطفه، لأنّ في هذه الآية قد بيّن سبحانه إمكان العفو عن جميع المعاصي و الذنوب غير الشرك، فهي كما جاء
في حديث عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام أرجى آيات القرآن الكريم إذ قال: «ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية».
و هذه الآية- كما قال ابن عباس «ثماني آيات نزلت في سورة النساء، خير لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس و غربت و عدّ منها هذه الآية» [١].
لأنّ هناك كثيرين يرتكبون المعاصي العظيمة ثمّ يقنطون من رحمة اللّه و غفرانه إلى الأبد، فيتسبب قنوطهم في أن يسيروا بقية عمرهم في طريق المعصية و الخطأ بنفس القوّة و الإصرار، و لكن الأمل في عفو اللّه و غفرانه خير وسيلة رادعة بالنسبة إلى هؤلاء، و خير مانع من تماديهم في المعصية و الطغيان، و على هذا الأساس فإنّ هذه الآية تهدف- في الحقيقة- إلى مسألة تربوية.
فإذا رأينا عصاة مجرمين (كما يقول بعض المفسّرين، و يعلم ذلك من الروايات المذكورة في ذيل هذه الآية) أمثال «وحشي» غلام هند و قاتل بطل الإسلام حمزة بن عبد المطلب عم النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يؤمن مع نزول هذه الآية، و ينتهي عن جرائمه و شقاوته، فإن من الطبيعي أن يوجد ذلك مثل هذا الأمل لدي العصاة الآخرين، فلا ييأسوا من رحمة اللّه و غفرانه، و لا يتورطوا في المزيد من الذنوب و المعاصي.
و يمكن أن يقال: إنّ هذه الآية من شأنها أن تشجع الناس في الوقت ذاته على الذنب و تغريهم بالمعصية، لما فيها من الوعد بالعفو عن «جميع الذنوب ما عدا الشرك».
و لكن لا شك أنّ المراد من الوعد بالعفو و المغفرة ليس هو الوعد المطلق من
ذلك الشيء و يخربه استعمل في كل مخالفة، و من جملة ذلك الشرك و الكذب و التهمة.
[١]- مجمع البيان، ج ٣، ص ٥٧.