الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - الإرث حق طبيعي
جهوده و ثمرة أتعابه، و هذا هو حكم فطري.
و على هذا، فعند ما يمتنع أن يتصرف الشخص في أمواله بعد وفاته و يحال بينه و بين ثروته بسبب الموت، تصبح هذه الأموال من حق أقرب الناس إليه، و الذين يعتبرون- في الحقيقة- بشخصيتهم و وجودهم امتدادا لشخصيته و وجوده.
على هذا الأساس نجد الكثيرين لا يتركون الكد و العمل، و الكسب و التجارة حتى آخر لحظة من حياتهم رغم ما يملكون من ثراء طائل، و ذلك لبغية أن يوفروا لأبنائهم مستقبلا زاهرا و يقيموا لهم حياة سعيدة بعدهم، و هذا يعني أن الإرث و قانون التوريث قادر على إعطاء العجلة الاقتصادية دفعة قوية و يزيد من حركتها و دورانها و نشاطها، و أمّا إذا عرف الشخص أنّ أمواله بعد موته، و امتناع تصرفه في تلك الأموال بسبب الوفاة تعود إلى الملكية العامة، فإنّه قد يفقد قسطا كبيرا من نشاطه الاقتصادي، و يصاب بالفتور و الكسل.
و يشهد بهذا الأمر ما وقع في فرنسا قبل حين، عند ما أقدم مجلس النواب الفرنسي- كما قيل- على إلغاء قانون الإرث قبل مدّة و أقرّ بدل ذلك إلحاق أموال الأشخاص بعد موتهم إلى خزانة الدولة، و صيرورتها أموالا عامّة، فتؤخذ من قبل الدولة و تصرف في المصارف العامّة بحيث لا يحصل ورثة الميت على أي شيء من التركة، فكان لهذا القانون أثر سيء و ظاهر على الحركة الاقتصادية، فقد لوحظ اختلال كبير في أوضاع التصدير و الاستيراد، كما خف النشاط الاقتصادي هناك بشكل ملحوظ، فأقلق ذلك بال الحكومة، و كان السبب الوحيد وراء هذه الحالة هو «إلغاء قانون الإرث» ممّا دفع بالدولة إلى إعادة النظر في هذا القرار.
و على هذا لا يمكن إنكار أن قانون الإرث و مبدأ التوريث مضافا إلى كونه قانونا طبيعيا فطريا، له أثر قوي و عميق في تنشيط الحركة الاقتصادية.