الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٧ - هدف اليهود من اختلاق الأعذار
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ....
و لا شك أنّ هؤلاء لم يكونوا صادقين في نواياهم مع النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لأنّ الهدف من نزول الكتاب السماوي هو الإرشاد و الهداية و التربية، و قد يتحقق هذا الهدف أحيانا عن طريق نزول كتاب كامل من السماء دفعة واحدة، و أحيانا أخرى يتحقق الهدف عن طريق نزول الكتاب السماوي على دفعات و بصورة تدريجية.
و بناء على هذا فقد كان الأجدر باليهود أن يطالبوا النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالدليل و يسألوه عن تعاليم سامية قيمة، لا أن يحددوا له طريقة لنزول الكتب السماوية و يطالبوه بأن ينزل عليهم كتابا الطريقة التي عينوها.
و لهذا السبب فضح اللّه نواياهم السيئة بعد طلبهم هذا، و أوضح للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّ هذا العمل هو ديدن اليهود، و أنّهم معروفون بصلفهم و عنادهم و اختلافهم الأعذار مع نبيّهم الكبير موسى بن عمران عليه السّلام، فقد طلب هؤلاء من نبيّهم ما هو أكبر و أعجب إذ سألوه أن يريهم اللّه جهارا و علنا! تقول الآية: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ....
و ما مصدر هذا الطلب العجيب الغريب البعيد عن المنطق غير الصلف و العناد، فهم بطلبهم هذا قد تبنّوا عقيدة المشركين الوثنيين في تجسيد اللّه و تحديده، و قد أدى عنادهم هذا إلى نزول عذاب اللّه عليهم، صاعقة من السماء أحاطت بهم لما ارتكبوه من ظلم كبير، تقول الآية: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ.
ثمّ تشير الآية إلى عمل قبيح آخر ارتكبه اليهود، و ذلك حين لجئوا إلى عبادة العجل بعد أن شاهدوا بأعينهم المعجزات الكثيرة و الدلائل الواضحة، فتقول: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ....
و مع كل هذا الصلف و العناد و الشرك، يريهم اللّه لطفه و رحمته و يغفر لهم لعلهم يرتدعوا عن غيّهم، و يهب لنبيّهم موسى عليه السّلام ملكا بارزا و سلطانا مبينا، و يفضح السامري صاحب العجل و يخمد فتنته و في هذا تقول الآية: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَ آتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً.