الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٥ - الإلزام بالوفاء بالعهد و الميثاق
و بعد أن تطرقت الآية إلى حكم الوفاء بالعهد و الميثاق- سواء كان إلهيا أو إنسانيا محضا- أردفت ببيان مجموعة أخرى من الأحكام الإسلامية، كان الأوّل منها حلية لحوم بعض الحيوانات، فبيّنت أن المواشي و أجنتها تحل لحومهما على المسلمين، حيث تقول الآية: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ و كلمة «الأنعام» صيغة جمع من «نعم» و تعني الإيل و البقر و الأغنام [١].
أمّا كلمة «بهيمة» فهي مشتقة من المصدر «بهمة» على وزن «تهمة» و تعني في الأصل الحجر الصلب، و يقال لكل ما يعسر دركه «مبهما» و جميع الحيوانات التي لا تمتلك القدرة على النطق تسمى «بهيمة» لأنّ أصواتها تكون مبهمة للبشر، و قد جرت العادة على إطلاق كلمة «بهيمة» على المواشي من الحيوانات فقط، فأصبحت لا تشمل الحيوانات الوحشية و الطيور.
و من جانب آخر فإن جنين المواشي يطلق عليه اسم «بهيمة» لأنّه يكون مبهما نوعا ما.
و على الإساس المذكور فإنّ حكم حلية بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ يشمل إمّا جميع المواشي ما عدا التي استثنتها الآية فيما بعد، أو تكون الجملة بمعنى أجنة الحيوانات من ذوات اللحم الحلال (تلك الأجنة التي اكتمل نموها و هي في بطن أمّها، و كسى جلدها بالشعر أو الصوف) [٢].
و لما كان حكم حلية حيوانات كالإبل و البقر و الأغنام قد تبيّن للناس قبل هذه الآية، لذلك من المحتمل أن تكون الآية- موضوع البحث- إشارة إلى حلية أجنة هذه الحيوانات.
و الظاهر من الآية أنّها تشمل معنى واسعا، أي تبيّن حلية هذه الحيوانات
[١]- إذا جاءت كلمة «نعم» مفردة فهي تعني الإبل، و إذا جاءت جمعا فتعني الأنواع الثلاثة، مفردات الراغب مادة (نعم).
[٢]- لو قلنا: إنّ كلمة «بهيمة» تعني الحيوانات وحدها دون الأجنة، لكانت إضافة كلمة «بهيمة» إلى كلمة «أنعام» إضافة بيانية، أمّا إذا قلنا: إنها تعني الأجنة أيضا، تكون هذه الإضافة «لامية».