الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - التّسليم أمام الحق
التّفسير
التّسليم أمام الحق:
الآية، و إن ذكر لها سبب نزولها خاص- و لكننا أسلفنا غير مرّة أن أسباب النزول الخاصّة لا تنافي عمومية مفهوم الآيات، و لهذا يمكن اعتبار هذه الآية تكميلا لما جاء من البحث في الآيات السابقة.
و لقد أقسم اللّه- في هذه الآية- بأنّ الأفراد لا يمكن أن يمتلكوا إيمانا واقعيا إلّا إذا تحاكموا إلى النّبي و قضائه، و لم يتحاكموا إلى غيره فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
ثمّ يقول سبحانه: يجب عليهم، أن يتحاكموا إليك فقط، و مضافا إلى ذلك ليرضوا بما تحكمه، سواء كان في صالحهم أو في ضررهم و لا يشعروا بأي حرج في نفوسهم فضلا عن أن لا يعترضوا، و بالتالي ليسلموا تسليما.
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً:
و الانزعاج النفسي الباطني من الأحكام التي ربّما تكون في ضرر الإنسان، و إن كان في الأغلب أمرا غير اختياري، إلّا أنّه على أثر التربية الخلقية المستمرة يمكن أن تحصل لدى الإنسان روح التسليم أمام الحق، و الخضوع للعدالة، خاصّة بملاحظة المكانة لواقعية النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلا ينزعج من أحكام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل و لا من أحكام العلماء الذين يخلفونه، و على كل فإن المسلمين الواقعيين مكلفون دائما بتنمية روح الخضوع للحق، و التسليم أمام العدل في نفوسهم.
إن الآية الحاضرة تبيّن علائم الإيمان الواقعي الراسخ في ثلاث مراحل:
١- أن يتحاكموا إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- و حكمه النابع من الحكم الإلهي- في ما اختلفوا فيه، كبيرا كان أم صغيرا، لا إلى الطواغيت و حكام الجور و الباطل.
٢- أن لا يشعروا بأي انزعاج أو حرج في نفوسهم تجاه أحكام الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أقضيته العادلة التي هي- في الحقيقة- نفس الأوامر الإلهية، و لا