الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠ - أوضح السّبل لمعرفة اللّه
عقوبات الآخرة على هؤلاء هو الخزي في محضر اللّه و عند عباده.
على أن النقطة الجديرة بالاهتمام التي تنطوي عليها جملة وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ هي أن العقلاء بعد التعرف على الأهداف التربوية المطلوبة للإنسان يقفون على هذه الحقيقة و هي أن الوسيلة الوحيدة لنجاح الإنسان و نجاته هي أعماله و ممارساته، و لهذا لا يمكن أن يكون للظالمين أي أنصار، لأنّهم فقدوا النصير الأصلي و هو العمل الصالح، و التزكير على لفظة «الظلم» إمّا لأجل خطورة هذه المعصية من بين المعاصي الاخرى، و إمّا لأن جميع الذنوب ترجع إلى ظلم الإنسان لنفسه.
على أنّه ليست ثمّة أيّة منافاة بين هذه الآية و مسألة الشفاعة (بمعناها الصحيح) لأنّ الشفاعة (كما قلنا سابقا في بحث الشفاعة) تحتاج إلى قابلية و أهلية خاصّة في المشفوع له، و هذه الأهلية و الصلاحية لشمول الشفاعة تحصل في ضوء بعض الأعمال الصالحة الخيرة.
ثمّ إنّ أصحاب العقول و ذوي الألباب بعد التعرف على هدف الكون و الغاية من الخلق ينتبهون إلى هذه النقطة، و هي أنّ هذا الطريق الوعر يجب أن لا يسلكه أحد بدون قيادة الهداة الإلهيين، و لهذا فهم يترصّدون نداء من يدعوهم إلى الإيمان بصدق و إخلاص و يستجيبون لأوّل دعوة يسمعونها منه و يسرعون إليه، و يعتنقونها بعد أن يحققوا فيها، و يتأكدوا من صدقها و صحّتها و يؤمنون بها بكلّ وجودهم، و لهذا يقولون في محضر ربّهم:
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ.
أي ربّنا الآن و قد أمنا بكل وجودنا و إرادتنا، و لكننا يحيط بنا طوفان الغرائز المختلفة من كلّ جانب، فربّما ننزلق و ربّما نزلّ و نرتكب معصية، ربّنا فاغفر لنا زلتنا، و استر عثرتنا، و توفّنا مع الأبرار الصالحين.