الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - أضرار اختلاق الإشاعة و نشرها
و تبدأ الإشاعة بأن يختلق منافق كذبة، ثمّ ينشرها بين أفراد مغرضين أو بسطاء، ليقوموا بدورهم بالترويج لها بين أبناء المجتمع دون التحقيق فيها، بل يهولونها و يفرعونها ممّا يؤدي إلى استنزاف مقدار كبير من طاقات الناس و أفكارهم و أوقاتهم، و إلى إثارة القلق و الاضطراب بينهم، و كثيرا ما تؤدي الإشاعة إلى زعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، و تؤدي إلى خلق حالة من اللامبالاة و التردد في أداء المسؤوليات.
و مع أنّ بعض المجتمعات التي تعاني من الكبت و الإرهاب تعمد إلى الإشاعة كأسلوب من الكفاح السلبي، انتقاما من الحكومات الطاغية الجائرة، فالإشاعة بحدّ ذاتها تعتبر خطرا كبيرا على المجتمعات السليمة، فإذا اتجهت الإشاعة إلى الأفراد الكفوئين من المفكرين و الخبراء و العاملين في المرافق الهامّة للمجتمع، فإنّها ستؤدي إلى حالة من البرود في نشاطات هؤلاء، و قد تصادر مكانتهم الاجتماعية، و تحرم المجتمع من خدماتهم.
من هنا كافح الإسلام بشدة «اختلاق الإشاعات» و الافتراء و الكذب و التهمة، مثل ما حارب نشر الإشاعات كما في هذه الآية.
و تؤكد الآية في ختامها على أنّ اللّه قد صان المسلمين بفضله و لطفه و كرمه من آثار إشاعات المنافقين و المغرضين و ضعاف الإيمان، و أنقذهم من نتائجها و عواقبها الوخيمة، و لو لا الإنقاذ الإلهي ما نجى من الانزلاق في خط الشيطان إلّا قليلا: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا أي أنّ النّبي و أصحاب الرأي و العلماء المدققين هم وحدهم القادرون على أن يكونوا مصونين من وساوس الشائعات و مشيعيها، أمّا أكثرية المجتمع فلا بدّ لها من القيادة السليمة لتسلم من عواقب اختلاق الشائعات و نشرها [١].
[١]- يتبيّن ممّا قلناه أن عبارة «إلّا قليلا» هي استثناء من ضمير «اتبعتم» و لا يوجد في الآية تقديم أو تأخير (تأمل بدقّة).