الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٦ - الجواب
بنظر الاعتبار الرّوايات المفسّرة لهذه الآية- لا تقتصر على حالة الخوف، و لهذا السبب فإن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان في أسفاره حتى في موسم الحج (في أرض منى) يقصر صلاته.
سؤال:
و هنا يرد سؤال آخر، و هو أنّ الآية قد أتت بعبارة وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ و ليس في هذه العبارة دلالة الحتمية في الحكم، أي لا تحتم على المسافر أن يقصر صلاته، فكيف يمكن القول أنّ صلاة القصر واجب عيني للمسافر و ليس واجبا تخييريا؟
الجواب:
لقد وجّه هذان السؤالان إلى أئمّة الإسلام، فأشاروا لدى الإجابة عليهما إلى نقطتين مهمتين:
النّقطة الأولى: هي أنّ عبارة «لا جناح»، أي لا ذنب عليكم، قد استخدمت في بعض الموارد في القرآن الكريم للدلالة على الوجوب، فمثلا في آية: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [١] في حين أن جميع المسلمين يعرفون أنّ السعي بين الصفا و المروة واجب سواء في الحج أو العمرة.
و كان النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليهم السّلام و المسلمون يؤدون السعي بعنوان الواجب ...
و قد نقل عن الإمام الباقر عليه السّلام حديث بهذا المضمون [٢].
و بعبارة أخرى فإنّ عبارة «لا جناح»- في الآية موضوع البحث و كذلك في آية الحج- جاءت لنفي التحريم، و السبب هو أنّ بعض المسلمين في بدء الإسلام، و لوجود أصنام على جبلي الصفا و المروة، كانوا يظنون أنّ السعي بينهما من
[١]- من سورة البقرة، الآية ١٥٨.
[٢]- نور الثقلين، الجزء الأوّل، ص ٥٤٢.