الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٠ - العفو عن المعتدي و أثره على نزعة العدوان
القدير الذي يعفو عن عباده مع امتلاكه القدرة على الانتقام بأي صورة شاء، فتقول الآية في هذا المجال: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً.
العفو عن المعتدي و أثره على نزعة العدوان:
سؤال يطرأ هنا على الذهن و هو: ألا يعتبر العفو عن الظالم المعتدي تأييدا لظلمه و تشجيعا لنزعة العدوان لديه؟ ألا يؤدي العفو إلى ظهور حالة سلبية من اللامبالاة لدى المظلومين.
و الجواب هو: أنّ العفو لا صلة له بمسألة تحقيق العدل و مكافحة الظالم، و الدليل على ذلك ما نقرؤه في الأحكام الإسلامية من نهي عن ارتكاب الظلم و أمر بعدم الخضوع له، كما في الآية لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ [١] و قول أمير المؤمنين علي عليه السّلام «كونا للظالم خصما و للمظلوم عونا» [٢] و قوله تعالى: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [٣].
كما نقرأ من جانب آخر الأمر بالعفو و الصفح كما في قوله تعالى: وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٤] و قوله: وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. [٥] من الممكن أن يتبادر إلى ذهن بعض البسطاء أن هناك تناقضا بين هذين الحكمين، و لدى الإمعان فيما ورد في المصادر الإسلامية في هذا المجال، يتّضح أنّ العفو و الصفح يجب أن يكون في موضع بحيث لا يساء استغلاله، و إنّ الدعوة إلى مكافحة الظلم و قمع الظالم يكون له مجال آخر.
[١]- البقرة، ٢٧٩.
[٢]- نهج البلاغة، الوصية رقم ٤٨.
[٣]- الحجرات، ٩.
[٤]- البقرة، ٢٣٧.
[٥]- النور، ٢٢.