الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٨ - جريمة القتل العمد و العقاب الأبدي
العمد قابلة للتوبة؟! لقد ردّ جمع من المفسّرين بالنفي صريحا على هذا السؤال، و قالوا: أن هذه الجريمة التي ورد ذكرها في الآية موضوع البحث غير قابلة للتوبة مطلقا، حيث أشارت الروايات الواردة في هذا الأمر إلى ذلك، فقد صرحت الروايات بأنّ لا توبة لقاتل المؤمن عمدا.
و لكن الذي نستنتجه من روح التعاليم الإسلامية، و روايات الأئمّة عليهم السّلام، و غيرهم من علماء الدين الكبار، و كذلك من فلسفة التوبة القائمة على أساس التربية و الوقاية من الوقوع في الذنوب و الخطايا في مستقبل الفرد المسلم ...
المستخلص من ذلك كله هو أنه لا يوجد ذنب غير قابل للتوبة، لكن التوبة من بعض الذنوب تكون مقيدة بشروط قاسية جدا يصعب بل يستحيل أحيانا على الفرد تحقيقها.
و الدليل على هذا الأمر هو قول القرآن الكريم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [١].
و قد قلنا في تفسير هذه الآية: إنّها وردت في شأن العفو عن الذنوب بواسطة الشفاعة و ما شاكل ذلك، و لكن المعروف أنّه حتى الشرك- ذاته- يعتبر من الجرائم و الذنوب القابلة للتوبة، إذا تخلى الإنسان عنه و عاد فآمن باللّه الواحد الأحد و أسلم وجهه للّه، كما حصل للجاهليين الذين تخلوا عن شركهم و قبلوا الإسلام و تابوا إلى اللّه فعفا عنهم و غفر لهم ذنوبهم السابقة.
و يتبيّن من هذا العرض الموجز أنّ كل الذنوب- حتى الشرك- قابلة للتوبة، و تؤكد على ذلك الآيتان (٥٣ و ٥٤) من سورة الزمر حيث يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ.
و قد ذكر بعض المفسّرين أن الآيات التي تتحدث عن غفران جميع الذنوب
[١]- النساء، ٤٧.