الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧١ - الإلزام بالوفاء بالعهد و الميثاق
في هامش الآية (٢٨١) من سورة البقرة- حيث قلنا هناك بأنّ هذه الآية هي آخر آية نزلت على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنّ كلامنا الحالي هو عن آخر سورة نزلت على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كلامنا السابق كان عن آية واحدة.
لقد تمّ التأكيد في هذه السورة- لما تمتاز به من موقع خاص- على مجموعة من المفاهيم الإسلامية، و على آخر البرامج و المشاريع الدينية، و قضية قيادة الأمّة و خلافة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد يكون هذا هو السبب في استهلال سورة المائدة بقضية الإلزام بالوفاء بالعهد و الميثاق، حيث تقول الآية في أوّل جملة لها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... و ذلك لكي تلزم المؤمنين بالوفاء بعهودهم التي عقدوها في الماضي مع اللّه أو تلك التي أشارت إليها هذه السورة.
و يأتي هذا التأكيد على غرار ما يفعله المسافر في اللحظات الأخيرة، من الوداع مع أهله و أقاربه و أنصاره حيث يؤكّد عليهم أن لا ينسوا وصاياه و نصائحه، و أن يوفوا بالعهود و المواثيق التي عقدوها معه.
و يجب الالتفات إلى أنّ كلمة «عقود» هي صيغة جمع من «عقد» التي تعني في الأصل شد أطراف شيء معين ببعضها شدا محكما، و من هنا يسمّى شد طرفي الحبل أو شد حبلين ببعضهما «عقدا».
بعد ذلك تنتقل الآية من هذا المعنى المحسوس إلى المفهوم المعنوي فتسمّي كلّ عهد أو ميثاق عقدا، لكن بعض المفسّرين- قالوا بأنّ كلمة «عقد» مفهوم أضيق من العهد، لأن كلمة العقد تطلق على العهود المحكمة إحكاما كافيا، و لا تطلق على كل العهود، و إذا وردت في بعض الروايات أو في عبارات المفسّرين كلمتا العقد و العهد للدلالة على معنى واحد فذلك لا ينافي ما قلناه، لأنّ المقصود في هذه الروايات أو العبارات هو التّفسير الإجمالي لهاتين الكلمتين لا بيان جزئياتهما.
و نظرا لأنّ كلمة العقود هي صيغة جمع دخلت عليها الألف و اللام للدلالة