الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - التّفسير
و لمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنّبوة، و قالوا: أنّه لا يمكن استباحة دماء هؤلاء لمجرّد عدم هجرتهم مع المسلمين: فنزلت هذه الآية الكريمة و هي تلوم الفئة الأخيرة على خطئها، و ترشدها إلى طريق الحقّ الصواب [١].
التّفسير
استنادا إلى سبب النزول الذي ذكرناه، تتّضح لنا الصّلة الوثيقة بين هذه الآية و الآيات التي تليها، و كذلك الآيات السابقة التي تناولت مواضيع و قضايا عن المنافقين.
فهذه الآية تخاطب في البداية المسلمين و تلومهم على انقسامهم إلى فئتين، كل فئة تحكم بما يحلو لها بشأن المنافقين، حيث تقول: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ... [٢] و تنهي المسلمين عن الاختلاف في أمر نفر أبوا أن يهاجروا معهم، و تعاونوا مع المشركين، و أحجموا عن مشاركة المجاهدين، فظهر بذلك نفاقهم، و دلت على ذلك أعمالهم، فلا يجوز للمسلمين أنّ ينخدعوا بتظاهر هؤلاء بالتوحيد و الإيمان، كما لا يجوز لهم أن يشفعوا في هؤلاء، و قد أكّدت الآية السابقة أن: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها.
و تبيّن الآية بعد ذلك: إنّ اللّه قد سلب من هؤلاء المنافقين كل فرصة للنجاح، و حرمهم من لطفه و عنايته بسبب ما اقترفوه و إنّ اللّه قد قلب تصورات هؤلاء بصورة تامّة فأصبحوا كمن يقف على رأسه بدل رجليه: ... وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ... [٣].
[١]- ذكرت أسباب أخرى لنزول هذه الآية و الآيات التي تليها، و قيل أنّها نزلت في واقعة أحد بينما الآيات التالية تتحدث عن الهجرة و لا تنسجم مع هذا القول، بل تنسجم مع سبب النزول الذي ذكرناه أعلاه.
[٢]- في هذه الجملة، جملة أخرى محذوفة تتضح لدى الإمعان في الأجزاء الاخرى من الآية و التقدير: «فما لكم تفرقتم في المنافقين فئتين ...».
[٣]- «أركسهم»: من ركس و هو قلب الشيء على رأسه، و تأتي أيضا بمعنى ردّ أوّل الشيء إلى آخره.