الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٦ - من أين تأتي الانتصارات و الهزائم؟
لأجل هذه المتكررات من الثواب الأبدي الذي يناله المجاهد في سبيل اللّه؟! و هنا أمر ثان يجب الانتباه له في الآية الأولى من هاتين الآيتين، و هو عبارة بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [١] التي تؤكد أنّ الموت لا تحول دونه القلاع و الحصون المنيعة العالية، و السرّ في هذا الأمر هو أنّ الموت الطبيعي لا يداهم الإنسان من خارج وجوده- خلافا لما يتصورون- و لا يحتاج إلى اجتياز القلاع و الحصون، بل يأتي من داخل وجود الإنسان حيث تقف أجهزة الإنسان عن العمل بعد نفاذ قدرتها المحدودة على البقاء.
نعم، الموت غير الطبيعي يأتي الإنسان طبعا من خارج وجوده، و بذلك قد تنفع القلاع و الحصون في تأخير هذا النوع من الموت عنه.
و لكن ما ذا ستكون النهاية و النتيجة؟ هل بمقدور القلاع و الحصون أن تحول دون وصول الموت الطبيعي الذي سيدرك الإنسان- دون شك- في يوم من الأيّام؟!
من أين تأتي الانتصارات و الهزائم؟
يشير القرآن في هاتين الآيتين إلى و هم آخر من أوهام المنافقين، حين يوضح أن هؤلاء إذا أحرزوا نصرا أو غنموا خيرا قالوا: إنّ اللّه هو الذي أنعم عليهم بذلك، و زعموا أنّهم أهل لهذه النعمة: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
أمّا إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال، ألقوا اللوم على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و افتروا عليه بقولهم إنّ ما نالهم من سوء هو من عنده، متهمين خططه
[١]- «مشيدة» في الأصل من مادة «شيد» على وزن فيل، بمعنى الجص و المواد الاخرى التي تستخدم لتقوية البنيان، و بما أن أكثر المواد استعمالا في البناء في تلك الازمنة هو الجص فان هذه الكلمة تطلق عليه عادة، فيكون معنى «بروج مشيدة» هو القلاع الرصينة و المتينة، و قد تستعمل و يراد بها المرتفعة و العالية. و ذلك أيضا لنفس السبب لأنّه من دون استخدام الجص لم يكن بالإمكان بناء تلك الابنية المرتفعة.