الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٤ - الصّلح خير
التّفسير
الصّلح خير:
لقد قلنا سابقا- في هامش الآيتين (٣٤ و ٣٥) من نفس سورة النساء- إنّ كلمة «نشوز» مشتقة من المصدر «نشز» بمعنى «الأرض المرتفعة» و حين تستخدم هذه العابرة في شأن الرجل و المرأة تعني ذلك «التكبر» و «الطغيان».
و قد بيّنت الآيات السابقة حكم نشوز المرأة، و في هذه الآية إشارة لنشوز الرجل فالآية تتحدث عن المرأة إذا أحست من زوجها التكبر و الإعراض عنها، و تبيّن أن لا مانع من أن تتنازل عن بعض حقوقها، و تتصالح مع زوجها، من أجل حماية العلاقة الزوجية من التصدع، فتقول: وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً.
و لمّا كانت المرأة تتنازل عن بعض حقوقها طوعا و عن طيب خاطر و من غير إكراه فلا ذنب في هذا العمل، حيث عبّرت الآية عن ذلك بعبارة «فلا جناح» أي لا ذنب، للدلالة على الحقيقة المذكورة.
و عند النظر إلى سبب نزول الآية، نستخلص منها مسألتين فقهيتين:
الأولى: إنّ حكما مثل تقسيم أيّام الأسبوع بين الزوجات، له طابع الحق أكثر من طابع الحكم، و لذلك فبإمكان المرأة التخلي عن هذا الحق بشكل تام إذا شاءت أو بصورة جزئية.
و المسألة الثّانية: إنّ التراضي و التصالح لا يشترط أن يكون بالمال، بل يصح أن يكون بالتنازل عن حق من الحقوق.
بعد ذلك تؤكد الآية على أنّ الصلح خير و أحسن، حيث تقول: وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ و هذه الجملة الصغيرة مع أنّها جاءت في مجال الخلافات العائلية، لكنها تبيّن قانونا كليا عاما شاملا، و تؤكد أنّ الصلح هو المبدأ الأوّل في كل المجالات، و أنّ الخلاف و النزاع و الصراع و الفراق ليس له وجود في الطبع و الفطرة الإنسانية السليمة، و لذلك فلا تسوغ هذه الفطرة التوسل بالنزاع و ما يجري مجراه إلّا في