الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢١ - نماذج أخرى من ممارسات اليهود العدوانية
الضلال و لم يكتفوا بهذا الحدّ، بل تمادوا في غيّهم، فارتكبت أياديهم الآثمة جريمة كبرى، إذ عمدوا إلى قتل الهداة و القادة إلى طريق الحق من أنبياء اللّه، إيغالا منهم في اتباع طريق الباطل و الابتعاد عن طريق الحق.
لقد كان هؤلاء اليهود بدرجة من العناد و الصلف و الوقاحة، بحيث كانوا يواجهون كلام الأنبياء بالسخرية و الاستهزاء، و وصل بهم الأمر إلى أن يقولوا بكل صراحة أنّ قلوبهم تغطيها حجب عن سماع و قبول قول الأنبياء! تقول الآية الأولى من الآيات الأربع الأخيرة: فَبِما نَقْضِهِمْ [١] مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ....
و هنا يؤكّد القرآن الكريم أنّ قلوب هؤلاء مختومة حقا، بحيث لا ينفذ إليها أي حقّ، و سبب ذلك هو كفرهم و انعدام الإيمان لديهم، فهم لا يؤمنون لعنادهم و صلفهم إلّا القليل منهم.
و قد تجاوز هؤلاء المجرمون الحدّ، فالصقوا بمريم العذراء الطاهرة تهمة شنيعة و بهتانا عظيما، هي أمّ لأحد أنبياء اللّه الكبار، و ذلك لأنّها حملت به بإذن اللّه دون أن يمسها رجل، تقول الآية في هذا المجال: وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً.
و قد تباهي هؤلاء الجناة و افتخروا بقتلهم الأنبياء، و زعموا أنّهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه، تقول الآية: وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ... و لعل هؤلاء كانوا يأتون بعبارة «رسول اللّه» استهزاء و نكاية، و قد كذبوا بدعواهم هذه في قتل المسيح، فهم لم يقتلوه و لم يصلبوه، بل صلبوا شخصا شبيها بعيسى المسيح عليه السّلام، و إلى هذه الواقعة تشير الآية بقولها:
[١]- إن عبارة «فبما نقضهم» من ناحية الإعراب جار و مجرور، و يجب أن يكون لها عامل محذوف قد يكون تقديره «لعناهم» أو جملة «حرمنا عليهم» الواردة في الآية (١٦٠) التالية، و على هذا الأساس فإن ما ورد في هذا الإطار يكون بمثابة جملة معترضة، تضفي في مثل هذه الحالة جمالا أكثر على الكلام القرآني البليغ.