الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣١ - قوم بضاعتهم الكلام دون العمل
الإنسان أكبر من خشيتهم اللّه العلي القدير.
ثمّ يواجه القرآن هؤلاء بهذه الحقيقة: لو أنّهم استطاعوا بعد تركهم الجهاد أن يوفّروا لأنفسهم- فرضا- حياة قصيرة رغيدة هانئة، فإنّهم سيخسرون هذه الحياة لأنّها زائلة لا محالة، بينما الحياة الأبدية التي وعد اللّه بها عباده المؤمنين المجاهدين الذين يخشونه و لا يخشون سواه، هي خير من تلك الحياة الزائلة، و إن المتقين سيلقون فيها ثوابهم كاملا غير منقوص دون أن يصيبهم أي ظلم، قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [١].
من الضروري الالتفات إلى عدة نقاط في تفسير هذه الآية، و هي:
١- لما ذا أمرت أولئك النفر بإقامة الصلاة و أداء الزكاة دون غيرهما من الفرائض الكثيرة الاخرى؟
و الجواب على هذا السؤال يتلخص في أنّ الصلاة هي سر الاتصال باللّه سبحانه عزّ و جل، و الزكاة تعتبر مفتاحا لباب الاتصال بعباد اللّه، و على هذا الأساس فقد صدرت الأوامر للمسلمين بأن يعدّوا أنفسهم و أرواحهم و مجتمعهم للجهاد في سبيل اللّه، عن طريقة إقامة الصلة الوثيقة بينهم و بين اللّه و عباده، و بعبارة أخرى أن يسعوا إلى بناء أنفسهم و إعدادها، و بديهي أن أي جهاد يحتاج بالضرورة إلى إعداد النفس و الروح، و إلى توثيق عرى التلاحم الاجتماعي، و بدون ذلك لا يمكن إحراز أي انتصار.
و الإنسان يقوي صلته باللّه من خلال الصلاة و يربّي بها روحه و معنوياته، فيكون بذلك مستعدا لتقديم أغلى التضحيات بما في ذلك التضحية بالنفس، كما أنّ الزكاة هي الوسيلة الوحيدة لرأب كل صدع اجتماعي، بالإضافة إلى كونها دعما اقتصاديا في سبيل إعداد ذوي الخبرة و التجربة و العدة الحربية، و ما
[١]- الفتيل يعني الشعيرة الرفيعة جدا الموجودة بين فلقتي نواة التّمر، و قد تطرفنا إلى شرح ذلك في الآية (٤٩) من سورة النساء و في هذا المجلد من تفسيرنا هذا.