الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٨ - التّفسير
كل ألوان الجهاد، كجهاد النفس، و الاستقامة في مواجهة مشاكل الحياة)، ثمّ يوصي ثانيا بالصبر و الثبات و الاستقامة أمام الأعداء، و هذا بنفسه يفيد أن الأمّة ما لم تتغلب و تنتصر في جهادها مع النفس، و في إصلاح ما بها من نقاط الضعف الداخلية يستحيل انتصارها على الأعداء، و هذا يعني أن أكثر هزائمها أمام أعدائها إنّما هي بسبب ما لحق بها من هزائم في جبهة الجهاد مع النفس و ما أصابها من إخفاقات في إصلاح نقاط الضعف التي تعاني منها.
كما و أنّه يستفاد من هذا التعليم «صابروا» أن على المسلمين أن يضاعفوا من صبرهم و من ثباتهم كلما ضاعف العدو من صبره و ثباته و مقاومته و عناده.
٣- «و رابطوا» و هذه العبارة مشتقة من مادة «الرباط» و تعني ربط شيء في مكان (كربط الخيل في مكان)، و لهذا يقال لمنزل المسافرين «الرباط»، و يقال أيضا ربط على قلبه بمعنى أنّه أعطاه السكينة، و ملأه بالطمأنينة و كأن قلبه انشد إلى مكان، و ارتكز على ركن وثيق، و «المرابطة» بمعنى مراقبة الثغور و حراستها لأن فيها يربط الجنود أفراسهم.
و هذه العبارة أمر صريح إلى المسلمين بأن يكونوا على استعداد دائم لمواجهة الأعداء، و أن يكونوا في حالة تحفز و تيقظ و مراقبة مستمرة لثغور البلاد الإسلامية و حدودها حتى لا يفاجئوا بهجمات العدوّ المباغتة، كما أنّه حثّ على التأهب الكامل لمواجهة الشيطان، و الأهواء الجامحة حتى لا تباغتهم و تأخذهم على حين غرّة و غفلة، و لهذا جاء في بعض الأحاديث عن الإمام علي عليه السّلام تفسير المرابطة بانتظار الصلاة بعد الصلاة، لأن من حافظ على يقظة روحه و ضميره بهذه العبادات المستمرة المتلاحقة، كان كالجندي المتأهب لمواجهة الأعداء على الدّوام.
و خلاصة القول: إن للمرابطة معنى وسيعا يشمل كل ألوان الدفاع عن النفس و المجتمع.