الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧١ - تحريم الزّواج بالمحارم
إلّا أنّ هذا النوع من الزواج إذا لم يسبب أية مشكلة لدى الأقرباء البعيدين (كما هو الغالب) فإنّه لا شك يسبب مضاعفات خطيرة لدى الأقرباء القريبين الذين تشتدّ عندهم ظاهرة وحدة الدم و تشابهه.
هذا مضافا إلى ضعف الرغبة الجنسية و التجاذب الجنسي لدى المحارم عادة، لأنّ المحارم- في الأغلب- يكبرون معا، و يشبّون معا، و لهذا لا ينطوي الزواج فيما بينهم على عنصر المفاجأة و صفة العلاقة الجديدة، لأنّهم تعودوا على التعامل فيما بينهم، فلا يكون أحدهم جديدا على الآخر، بل العلاقة لديهم علاقة عادية و رتيبة، و لا يمكن أن يكون بعض الموارد النادرة مقياسا لانتزاع القوانين الكلية العامّة أو سببا لنقض مضاداتها، و نحن نعلم أن التجاذب الجنسي شرط أساسي لدوام العلاقة الزوجية و استمرار الرابطة العائلية، و لهذا إذا تمّ التزاوج بين المحارم فإن الرابطة الزوجية الناشئة من هذا الزواج ستكون رابطة ضعيفة مهزوزة و قصيرة العمر.
وَ أُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ يشير اللّه سبحانه في هذه الآية إلى المحارم الرّضاعية و القرآن و إن اقتصر في هذا المقام على الإشارة إلى طائفتين من المحارم الرضاعية، و هي الأم الرضاعية و الأخت الرضاعية فقط، إلّا أنّ المحارم الرضاعية- كما يستفاد من روايات عديدة- لا تنحصر في من ذكر في هذه الآية، بل تحرم بالرّضاعة كل من يحرمن من النساء بسبب «النسب» كما يصرّح بذلك الحديث المشهور
المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب» [١].
على أن بيان مقدار الرّضاع الموجب للحرمة و الشروط و الكيفية المعتبرة فيه، و غير ذلك من التفاصيل و الخصوصيات متروك للكتب الفقهية.
و فلسفة حرمة الزواج بالمحارم الرضاعية هي، أن نشوء و نبات لحم المرتضع
[١]- من لا يحضره الفقيه، ج ٢، ص ١٥٥، و غيره.