الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٦ - اسطورة التثليث الوهمية
في الأديان السماوية، فالإنسان بما أنّه يميل إلى ذاته يندفع بهذا الميل إلى إظهار زعمائه و قادته بصورة أكبر ممّا هم عليه، لكي يضفي على نفسه الأهمية و العظمة من خلال هؤلاء القادة، و قد يدفع الإنسان التصور الواهي بأن الإيمان هو المبالغة و الغلو في احترام و تعظيم القادة- إلى الوقوع في متاهات هذا النوع من الانحراف الرهيب.
و الغلو في أصله ينطوي على عيب كبير يفسد العنصر الأساسي للدين- الذي هو عبادة اللّه و توحيده- و لهذا السبب فقد عامل الإسلام الغلاة أو المغالين بعنف و شدّة، إذ عرفت كتب الفقه و العقائد هذه الفئة من الناس بأنّهم أشد كفرا من الآخرين.
بعد ذلك تشير الآية الكريمة إلى عدّة نقاط، يعتبر كل واحد منها في حدّ ذاته دليلا على بطلان قضية التثليث، و عدم صحة الوهية المسيح عليه السّلام، و هذه النقاط هي:
١- لقد حصرت الآية بنوة السيد المسيح عليه السّلام بمريم عليها السّلام إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، و إشارة البنوة- هذه الواردة في ستة عشر مكانا من القرآن الكريم- إنّما تؤكّد أنّ المسيح عليه السّلام هو إنسان كسائر الناس، خلق في بطن امّه، و مرّ بدور الجنين في ذلك الرحم، و فتح عينيه على الدنيا حين ولد من بطن مريم عليها السّلام كما يولد أفراد البشر من بطون أمهاتهم و مرّ بفترة الرضاعة و تربى في حجر امّه، ممّا يثبت بأنّه امتلك كل صفات البشر فكيف يمكن- و حالة المسيح عليه السّلام هذه- أن يكون إلها أزليا أبديا، و هو في وجوده محكوم بالظواهر و القوانين المادية الطبيعية و يتأثر بالتحولات الجارية في عالم الوجود؟! و عبارة الحصر التي هي «إنّما» الواردة في الآية تحصر بنوة المسيح عليه السّلام بمريم عليها السّلام و تؤكّد على أنّه و إن لم يكن له والد، فليس معنى ذلك أن أباه هو اللّه، بل هو فقط ابن مريم عليها السّلام.