الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٤ - شرائط قبول التوبة
إنّ كلمة الجهل و ما يشتق منها و إن كانت لها معان مختلفة، و لكن يستفاد من القرائن أنّ المراد منها في الآية المبحوثة هنا هو طغيان الغرائز، و سيطرة الأهواء الجامحة و غلبتها على صوت العقل و الإيمان، و في هذه الصورة و إن لم يفقد المرء العلم بالمعصية، إلّا أنّه حينما يقع تحت تأثير الغرائز الجامحة، ينتفي دور العلم و يفقد مفعوله و أثره، و فقدان العلم لأثره مساو للجهل عملا.
و أمّا إذا لم يكن الذنب عن جهل و غفلة، بل كان عن إنكار لحكم اللّه سبحانه و عناد و عداء، فإن ارتكاب مثل هذا الذنب ينبئ عن الكفر، و لهذا لا تقبل التوبة منه، إلّا أن يتخلّى عن عناده و عدائه و إنكاره و تمرده.
و
في الحقيقة إنّ هذه الآية تبيّن نفس الحقيقة التي يذكرها الإمام السجاد عليه السّلام في دعاء أبي حمزة ببيان أوضح إذ يقول: «إلهي لم أعصك حين عصيتك و أنا بربوبيتك جاحد و لا بأمرك مستخف، و لا لعقوبتك متعرض، و لا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت و سولت لي نفسي و غلبني هواي».
ثمّ إنّ اللّه سبحانه يشير إلى شرط آخر من شروط قبول التوبة إذ يقول: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ.
هذا و قد وقع كلام بين المفسّرين في المراد من «قريب» فقد ذهب كثيرون إلى أنّ معناه التوبة قبل أن تظهر آثار الموت و طلائعه، و يستشهدون لهذا الرأي بقوله تعالى: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ الذي جاء في مطلع الآية اللاحقة، و يشير إلى أن التوبة لا تقبل إذ ظهرت علامات الموت.
و لعل استعمال لفظة «قريب» إنّما هو لأجل أن نهاية الحياة الدنيوية مهما بعدت فهي قريبة.
و لكن بعض المفسرين ذهب إلى تفسير لفظة «من قريب» بالزمان القريب من وقت حصول المعصية، فيكون المعنى أن يتوبوا فورا، و يندموا على ما فعلوه