الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - شرائط قبول التوبة
بسرعة، و يتوبوا إلى اللّه، لأنّ التوبة الكاملة هي التي تغسل آثار الجريمة و تزيل رواسبها من الجسم و الروح بشكل مطلق حتى لا يبقى أي أثر منه في القلب، و لا يمكن هذا إلّا إذا تاب الإنسان و ندم قبل أن تتجذر المعصية في كيانها، و تتعمق آثارها في وجوده فتكون له طبيعة ثانية، إذ في غير هذه الصورة ستبقى آثار المعصية في زوايا الروح الإنسانية، و تعشعش في خلايا قلبه، فالتوبة الكاملة- إذن- هي التي تتحقق عقيب وقوع الذنب في أقرب وقت، و لفظة «قريب» أنسب مع هذا المعنى من حيث اللغة و الفهم العرفي.
صحيح أنّ التوبة التي تقع بعد زمن طويل من ارتكاب المعصية تقبل أيضا، إلّا أنّها ليست التوبة الكاملة، و لعل التعبير بجملة «على اللّه» (أي على اللّه قبولها) كذلك إشارة إلى هذا المعنى، لأن مثل هذا التعبير لم يرد في غير هذا المورد من القرآن الكريم، و مفهومه هو أن قبول التوبة القريبة من زمن المعصية حق من حقوق العباد، في حين ان قبول التوبة البعيدة عن زمن المعصية تفضل من اللّه و ليس حقا.
ثمّ أنّه سبحانه- بعد ذكر شرائط التوبة- يقول: فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً مشيرا بذلك إلى نتيجة التوبة التي توفرت فيها الشروط المذكورة.
ثمّ يقول تعالى: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ ... و هو إشارة إلى من لا تقبل توبته.
و علّة عدم قبول هذا النوع من التوبة واضحة، لأن الإنسان عند الاحتضار في رحاب الموت تنكشف له الأستار، فيرى ما لم يكن يراه من قبل، فهو يرى بعد انكشاف الغطاء عن عينيه بعض الحقائق المتعلقة بالعالم الآخر، و يشاهد بعينيه نتائج أعماله التي ارتكبها في هذه الدنيا، و تتخذ القضايا التي كان يسمع بها صفة