الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦٠ - بنو إسرائيل و الأرض المقدسة
التّفسير
بنو إسرائيل و الأرض المقدسة:
جاءت هذه الآيات لتثير لدى اليهود دافع التوجه إلى الحق و السعي لمعرفته أوّلا، و إيقاظ ضمائرهم حيال الأخطاء و الآثام التي ارتكبوها ثانيا، و لكي تحفزهم إلى السعي لتلافي اخطائهم و التعويض عنها، و يذكرهم القرآن في الآية الأولى بما قاله النّبي موسى عليه السّلام لأصحابه حيث تقول: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ....
و لا يخفى أنّ عبارة (نعمة اللّه) تشمل جميع الأنعم الإلهية، لكن الآية استطردت فبيّنت ثلاثا من أهم هذه النعم، أوّلها نعمة ظهور أنبياء و قادة كثيرين بين اليهود، و التي تعتبر أكبر نعمة وهبها اللّه لهم، فتقول الآية: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ... و قد نقل أنّ في زمن موسى بن عمران وحده كان يوجد بين اليهود سبعون نبيّا، و إنّ السبعين رجلا الذين ذهبوا مع موسى عليه السّلام إلى جبل «الطور» كانوا كلهم بمنزلة الأنبياء.
و في ظل هذه النعمة (نعمة وجود الأنبياء) نجى اليهود من هاوية الشرك و الوثنية و عبادة العجل و تخلصوا من مختلف أنواع الخرافات و الأوهام و القبائح و الخبائث، لذلك أصبحت هذه النعمة أكبر النعم المعنوية التي أنعم اللّه بها على بني إسرائيل.
بعد هذا تشير الآية إلى أكبر نعمة مادية وهبها اللّه لليهود فتقول: وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً ... و تعتبر هذه النعمة- أيضا- مقدمة للنعم المعنوية، فقد عانى بنو إسرائيل لسنين طويلة من ذل العبودية في ظل الحكم الفرعوني، فلم يكونوا ليمتلكوا في تلك الفترة أي نوع من حرية الإرادة، بل كانوا يعاملون معاملة البهائم المكبلة في القيود، و قد أنقذهم اللّه من كل تلك القيود ببركة النّبي موسى بن عمران عليه السّلام و ملكهم مصائرهم و مقدراتهم.