الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - الوجه الحقيقي لأفعال البشر
المادية الشخصية إذ يقول سبحانه عنهم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ [١].
ثمّ أنّه سبحانه يقول في بيان نتيجة أكل أموال اليتامى: وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً.
و «يصلى» من «الصلى» بمعنى الدخول في النار و الاحتراق بلهيبها، و أمّا «السعير» فبمعنى النار المشتعلة.
و يقصد القرآن من هذه الجملة إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى مضافا إلى أنّهم يأكلون النار- في الحقيقة- في هذه الدنيا سيدخلون عمّا قريب نارا مشتعلة الأوار و حارقة اللهب في الدار الآخرة.
و يستفاد من هذه الآية أن لأعمالنا مضافا إلى وجهها الظاهري وجها واقعيا أيضا، وجها مستورا عنّا في هذه الدنيا، لا نراه بعيوننا هنا، و لكنّه يظهر في العالم الآخر، و هذا الأمر هو ما يشكل مسألة تجسم الأعمال المطروحة في المعتقدات الإسلامية.
إنّ القرآن يصرح في هذه الآية بأنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما و جورا، و إن كان الوجه الظاهري لفعلهم هذا هو الأكل من الأطعمة اللذيذة الملونة، و لكن الوجه الواقعي لهذه الأغذية هو النار المحرقة الملتهبة، و هذا الوجه هو الذي يظهر و يتجلّى على حقيقته في عالم الآخرة.
إنّ بين الوجه الواقعي للعمل و الكيفية الظاهرية للعمل تناسبا و تشابها دائما، فكما أن أكل مال اليتيم و غصب حقوقه يحرق فؤاد اليتيم، و يؤذي روحه، فكذا يكون الوجه الواقعي للعمل نارا محرقة.
إنّ الانتباه إلى هذا الأمر (أي الوجه الحقيقي الواقعي لكل عمل) خير رادع للذين يؤمنون بهذه الحقائق، كيما لا يرتكبوا المعاصي و لا يقترفوا الذنوب، فهل يوجد ثمّة من يحب أن يأخذ بيديه قبسات من النار، و يضعها في فمه و يبتلعها؟
[١]- البقرة، ١٧٤.