الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٨ - النجوى أو الهمس
و الآية هنا تذكر أنّ أغلب الاجتماعات السرّية التي يعقدها أولئك تهدف إلى غايات شيطانية شريرة لا خير فيها و لا فائدة، إذ تقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ.
و لكي لا يحصل و هم من أن كل نجوى أو همس أو اجتماع سري يعتبر عملا مذموما أو حراما جاءت الآية بأمثال كمقدمة لبيان قانون كلي، و أوضحت الموارد التي تجوز فيها النجوى، مثل أن يوصي الإنسان بصدقة أو بمعونة للآخرين أو بالقيام بعمل صالح أو أن يصلح بين الناس، فتقول الآية في هذا المجال: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ.
فإذا كان هذا النوع من النجوى أو الهمس أو الاجتماعات السرّية لا يشوبه الرياء و التظاهر، بل كان مخصصا لنيل مرضاة اللّه، فإنّ اللّه سيخصص لمثل هذه الأعمال ثوابا و أجرا عظيما، حيث تقول الآية: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.
و قد عرف القرآن النجوى و الهمس و الاجتماعات السرّية- من حيث المبدأ- بأنّها من الأعمال الشّيطانية، في قوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ ... [١] و السبب هو أنّ هذه الأعمال غالبا ما تحدث لأغراض سيئة، و حيث أنّ عمل الخير و الشيء النافع و الإيجابي لا يحتاج في العادة إلى أن يكون- أو يبقى- سرّيا أو مكتوما عن الناس، و لذلك فلا حاجة بالتحدث عن مثل هذه الأعمال بالهمس و النجوى، أو في اجتماعات سرّية.
و لمّا كان من المحتمل أن تطرأ ظروف استثنائية تجبر الإنسان على الاستفادة من أسلوب النجوى في أعمال الخير، لذلك ورد الاستثناء بصورة مكررة في القرآن، كما في قوله تعالى:
[١]- المجادلة، ١٠.