الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٣٩ - هل يجعل اللّه قلب الإنسان قاسيا؟
قلوب مجموعة من اليهود! و الذي نعرفه هو أنّ هذه القسوة ما هي إلّا نتيجة لارتكاب الذنوب و الانحرافات، فكيف إذن ينسب اللّه فعل جعل القسوة في قلوب أولئك اليهود إلى نفسه؟ و لو كان هذا الفعل من اللّه، فكيف يكون أولئك الأشخاص مسئولين عن أعمالهم، ألا يعتبر هذا نوعا من الجبر؟
ولدي الإمعان بدقة في الآيات القرآنية المختلفة، و منها الآية موضوع البحث، يتبيّن لنا أنّ الأشخاص إنما يحرمون- بسبب اخطائهم و ذنوبهم- من لطف اللّه و رحمته و هدايته، و أن أعمالهم هذه في الحقيقة مصدر لمجموعة من الانحرافات الفكرية و الأخلاقية، بحيث يستحيل على الإنسان- أحيانا- أن يجنب نفسه عواقبها و نتائجها.
و بما أنّ العلل- أو الأسباب- تعطي آثارها بإذن اللّه، لذلك نسب مثل هذه الآثار في القرآن الكريم إلى اللّه، ففي الآية موضوع البحث نقرأ أنّ اليهود- نتيجة لنقضهم الميثاق- جعل الله قلوبهم قاسية. كما نقرأ في الآية (٢٧) من سورة إبراهيم قوله تعالى وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ و في الآية (٧٧) من سورة التوبة نقرأ قوله سبحانه: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ.
و واضح أنّ هذه الآثار السيئة تنبع من عمل الإنسان نفسه، و لا تناقض في هذا الأمر حرية الإرادة و الإختيار، لأنّ مقدمات تلك الآثار تكون من عمل الإنسان و تصدر عنه بعلمه و اختياره، و لأنّ آثار عمله هي النتيجة الحتمية للعمل نفسه، و على سبيل المثال لو أنّ إنسانا تناول شيئا من المشروبات الكحولية، و حصلت لديه حالة من السكر، فقام على أثر هذه الحالة بارتكاب جريمة معينة، فهو و إن كان لا يمتلك إرادته في حالة السكر، إلّا أنّه قبل ذلك أقدم على شرب الخمرة مختارا و مدركا لما يفعل، و بذلك هيّأ بنفسه مقدمات العمل الجنائي، و هو يعمل احتمال صدور هذا العمل منه في حالة السكر، و لذلك فهو مسئول عن هذا