الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦٥ - بنو إسرائيل و الأرض المقدسة
سابقا [١].
مع كل الاحتمالات العديدة الواردة في تفسير جملة مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ إلّا أنّ الواضح من ظاهر هذه الجملة، هو أنّ الرجلين المذكورين في الآية هما من جماعة تخاف اللّه و تخشاه وحده دون غيره، و يؤيد هذا التّفسير ما جاء في جملة أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ... فأي نعمة أكبر و أرفع من أن يخاف الإنسان من اللّه وحده و لا يخشى أحدا سواه.
و قد يسأل سائل في هذا المجال عن مصدر علم هذين الرجلين، و كيف أنّهما علما أن بني إسرائيل ستكون لهم الغلبة إن هم دخلوا المدينة- أو الأرض المقدسة- في هجوم مباغت؟
و جوابه: لعل علم هذين الرجلين بتلك الغلبة كان نابعا من ثقتهما بأقوال النّبي موسى عليه السّلام أو أنّهما اعتمدا على قاعدة كلية في الحروب، مفادها أن الجماعة المهاجمة إن استطاعت الوصول إلى مقر و مركز العدو- أي تمكنت من محاربة العدو في داره- فإنها سننتصر عليه [٢] عادة.
و المستهدفون في تلك الحرب هم قوم المعالقة، و هم بسبب ما كانوا عليه من طول خارق، كان أسهل عليهم أن يحاربوا في بر أو فضاء مفتوح بدل الحرب في مدينة، فيها- بحسب العادة- الأزقة و الطرق الملتوبة (بغضّ النظر عن الجوانب الأسطورية التي تتحدث عن الطول الخارق لهؤلاء العمالقة)، أضف إلى ذلك كله أنّ العمالقة- كما نقل- كانوا على رغم قاماتهم الطويلة أناسا جبناء رعاديد، يرهبهم كل هجوم مباغت، و كل هذه الأسباب أصبحت دليلا قويا لدى الرجلين المذكورين ليقولا بحتمية انتصار بني إسرائيل.
[١]- الباب الأوّل من سفر التثنية في التوراة المتداولية، فيه إشارة إلى أنّ اسمي هذين الرجلين هما «يوشع» و «كاليب».
[٢]- و قد أشار الإمام علي بن أبي طالب في إحدى خطبه الواردة في كتاب نهج البلاغة التي هذه الحقيقة بقوله عليه السّلام:
(فو اللّه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا) (الخطبة ٢٧).