الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦٦ - بنو إسرائيل و الأرض المقدسة
و الذي حصل حقيقة هو أنّ بني إسرائيل لم يقتنعوا بأي من الاقتراحات المذكورة، فهم بسبب الضعف و الجبن المتأصلين في نفوسهم خاطبوا موسى عليه السّلام و أخبروه صراحة بأنّهم لن يدخلوا تلك الأرض ما دام العمالقة موجودين فيها، و طالبوا موسى أن يذهب هو و ربه لمحاربة العمالقة و سألوه أن يخبرهم عن انتصاره حيث هم قاعدون، و في هذا المجال تقول الآية الكريمة: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
و تبيّن هذه الآية مدى الوقاحة التي وصل إليها بنو إسرائيل في مخاطبة نبيّهم موسى عليه السّلام، فهم بقولهم «لن» و «أبدا» أكدوا رفضهم القاطع للدخول إلى الأرض المقدسة، كما أنّهم استخفوا بموسى عليه السّلام و دعوته و استهزءوا بهما، بقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ... كما أنّهم- أيضا- لم يعيروا التفاتا لاقتراح الرجلين المؤمنين المذكورين في الآية، و لم يبدوا حيال ذلك أي جواب.
و الطريف في الأمر أن التوراة المتداولة قد أوردت أجزاء مهمّة من هذه القصة، في الباب الرابع عشر من سفر الأعداد، حيث جاء فيها أن جميع بني إسرائيل لاموا موسى و هارون أخاه و قالوا جميعا: ليتنا متنا جميعا في أرض مصر أو في الفلاة، فلما ذا جاء بنا الرّب إلى هذه الأرض لكي نقتل بحدّ السيف، و تسبى عيالنا و أطفالنا بعدنا ... فحار موسى و أخاه هارون أمام القوم، ما ذا يفعلان؟ أمّا يوشع بن نون و كاليب بن يفنة، اللذان كانا من مجموعة الرجال الذين ذهبوا للتجسس على تلك الأرض فقد شقا جيبهما ...
ثمّ نقرأ في الآية التالية أنّ موسى أصابه اليأس و القنوط من القوم، و رفع يديه للدعاء مناجيا ربّه قائلا: إنّه لا يملك حرية التصرف إلّا على نفسه و أخيه، و طلب من اللّه أن يفصل بينهما و بين القوم الفاسقين العصاة، لكي يلقى هؤلاء جزاء أعمالهم و يبادروا إلى إصلاح أنفسهم، حيث تقول الآية الكريمة في هذا المجال:
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.