الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٣ - معنى كلمتي «عسى» و «لعل» في كلام اللّه
الذهن سؤال هو: لو كان التمني و الترجي جائزين بالنسبة للإنسان لعدم علمه بالغيب و لمحدودية قدرته و عجزه عن فعل و إنجاز كل ما يريد، فكيف يجوز استخدامهما من قبل اللّه العالم بالغيب و الشهادة و القادر على كل شيء؟! و الطمع و الترجي يكونان في جاهل عاجز و اللّه منزّه عن ذلك؟
ذهب كثير من العلماء إلى تأويل معنى كلمتي «عسى» و «لعل» الواردتين في كلام اللّه فقالوا: بأنّهما إذا وردتا في كلامه سبحانه عزّ و جل فإنّهما تفقدان معانيهما الحقيقية الأصلية و تكتسبان معاني جديدة، و قالوا: إن كلمة «عسى» إذا أتت في كلام اللّه جاءت بمعنى «الوعد» و إن كلمة «لعل» تأتي في كلامه- عزّ من قائل- بمعنى «الطلب».
و الحق أنّ هاتين الكلمتين لا يتغير معناهما إذا وردتا في كلام اللّه، و لا يستلزمان الجهل أو العجز، لكن استخدامهما يأتي في مواضع يكون الوصول فيها إلى الهدف بحاجة إلى مقدمات عديدة، فإن لم تتوفر إحدى هذه المقدمات أو بعضها لم يمكن القطع بتحقق ذلك الهدف، بل تأتي مسألة تحقق الهدف على شكل احتمال، و يكون الحكم في هذا المجال احتماليا.
على سبيل المثال يقول القرآن الكريم: وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [١] و لا يعني هنا أنّ رحمة اللّه تشمل كل من يستمع أو ينصت إلى القرآن أثناء قراءته، بل أنّ الاستماع و الإنصات يكونان مقدمة من مقدمات نيل رحمة اللّه، و هناك مقدمات أخرى مثل فهم القرآن و تدبر آياته و العمل بأحكامه.
و يتّضح من هذا أنّ تحقيق مقدمة واحدة لا يكفي لحصول النتيجة المطلوبة و لا يمكن الجزم أو القطع بحتمية تحقق النتيجة، بل كل ما يمكن الحكم به هو احتمال حدوثها، و الحقيقة إن مثل هذه الكلمات حين تأتي في كلام اللّه، يكون
[١]- الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف.