الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٢ - سلامة المجتمع ترتبط بسلامة الإقتصاد
برأسها، لأنّه يقول: إلّا أن يكون التصرف في أموال الآخرين بسبب التجارة الحاصلة في ما بينكم، و التي تكون عن رضا الطرفين.
فبناء على هذا تكون جميع أنواع المعاملات المالية و التبادل التجاري الرائج بين الناس- في ما إذا تمّ برضا الطرفين و كان له وجه معقول- أمرا جائزا من وجهة نظر الإسلام (إلّا الموارد التي ورد فيها نهي صريح لمصالح خاصّة).
ثمّ أنّه تعالى ينهى في ذيل هذه الآية عن قتل الإنسان لنفسه إذ يقول: وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ و ظاهر هذه الجملة بقرينة قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً النهي عن الانتحار، يعني أنّ اللّه الرحيم كما لا يرضى بأن تقتلوا أحدا، كذلك لا يسمح لكم و لا يرضى بأن تقتلوا أنفسكم بأيديكم، و قد فسّرت الآية الحاضرة في روايات أهل البيت عليهم السّلام بالانتحار أيضا [١].
و هنا يطرح سؤال و هو: أي ارتباط بين مسألة قتل الإنسان لنفسه، و «التصرف الباطل في أموال الناس»؟
إنّ الجواب على هذا السؤال واضح تماما، و في الحقيقة يشير القرآن بذكر هذين الحكمين بصورة متتالية إلى نكتة اجتماعية مهمّة، و هي أنّ العلاقات الاقتصادية في المجتمع إذا لم تكن قائمة على أساس صحيح، و لم يتقدم الإقتصاد الاجتماعي في الطريق السليم، و وقع الظلم و التصرف العدواني في أموال الغير أصيب المجتمع بنوع من الانتحار، و آل الأمر إلى تصاعد حالات الانتحار الفردي مضافا إلى الانتحار الجماعي الذي هو من آثار الانتحار الفردي ضمنا.
إنّ الحوادث و الثورات التي تقع في المجتمعات العالمية المعاصرة خير شاهد و أفضل دليل على هذه الحقيقة، و حيث أنّ اللّه لطيف بعباده رحيم بخلقه فقد أنذرهم و حذرهم من مغبة الأمر، و حثّهم على تجنب المبادلات الاقتصادية
[١]- راجع تفسير مجمع البيان، ذيل الآية، و تفسير نور الثقلين، ج ١، ص ٤٧٢.