الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧١ - التّفسير
و لكي يثبتوا حصول هذا التغيير، و يثبتوا صدقهم فيه، عليهم أن يبادروا إلى الهجرة من مركز الكفر و النفاق إلى دار الإسلام (أي يهاجروا من مكّة إلى المدينة) فتقول الآية: حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... أمّا إذا رفضوا الهجرة فليعلم المسلمون بأن هؤلاء لا يرضون لأنفسهم الخروج من حالة الكفر و النفاق، و إن تظاهرهم بالإسلام ليس إلّا من أجل تمرير مصالحهم و أهدافهم الدنيئة و من أجل أن يسهل عليهم التآمر و التجسس على المسلمين.
و في هذه الحالة يستطيع المسلمون أن يأسروهم حيثما وجدوهم، و أن يقتلوهم إذا استلزم الأمر، تقول الآية الكريمة: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
و تكرر هذه الآية التأكيد على المسلمين أن يتجنّبوا مصاحبة هؤلاء المنافقين و أمثالهم فتقول: لا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً.
و القرآن في هذا الحكم يؤكّد حقيقة مصيرية للمجتمع، هي أنّ حياة أي مجتمع تمرّ بمرحلة إصلاحية لا يمكن أن تستمر بصورة سليمة ما لم يتخلص من جراثيم الفساد المتمثلة بهؤلاء المنافقين أو الأعداء الذين يتظاهرون بالإخلاص، و هم في الحقيقة عناصر مخربة هدامة تعمل في التآمر و التجسس على المجتمع و مصالحه العامّة.
و الطريف هنا أنّ الإسلام- مع اهتمامه برعاية أهل الكتاب من اليهود و النصارى و غيرهم و منعه الظلم و العدوان عنهم- نراه يشدد كثيرا في التحذير من خطر المنافقين، و يرى ضرورة التعامل معهم بعنف و قسوة، و رغم تظاهرهم بالإسلام يصرح القرآن بأسرهم، بل حتى بقتلهم إن استلزم الأمر.
و ما هذا التشديد إلّا لأنّ هؤلاء يستطيعون ضرب الإسلام تحت ستار الإسلام، و هذا ما يعجز عن أدائه أي عدو آخر.