الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٩ - الحلال من الصيد
التّفسير
الحلال من الصيد:
أعقبت الآية الأخيرة آيتين سبق و أن تناولتا أحكاما عن الحلال و الحرام عن اللحوم، و قد بيّنت هذه الآية نوعا آخر من اللحوم أو الحيوانات التي يحل للإنسان تناولها، و جاءت على صيغة جواب لسؤال ذكرته الآية نفسها بقولها:
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ ....
فتأمر الآية النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- أوّلا- بأن يخبرهم إنّ كل ما كان طيبا و طاهرا فهو حلال لهم، حيث تقول: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ... دالة على أنّ كل ما حرمه الإسلام يعتبر من الخبائث غير الطاهرة، و إن القوانين الإلهية لا تحرم- مطلقا- الموجودات الطاهرة التي خلقها اللّه لينتفع بها البشر، و إن الجهاز التشريعي يعمل دائما بتنسيق تام مع الجهاز التكويني و في كل مكان.
ثمّ تبيّن الآية أنواع الصيد الحلال، فتشير إلى الصيد الذي تجلبه أو تصيده الحيوانات المدربة على الصيد، فتؤكد بأنّه حلال، بقولها: وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [١].
و عبارة جوارح مشتقة من المصدر «جرح» الذي يعني أحيانا «الكسب» و تارة يعني «الجرح» الذي يصاب به البدن، و لذلك يطلق على الحيوانات المدرّبة على الصيد، سواء كانت من الطيور أو من غيرها، اسم «جارحة» و جمعها «جوارح» أي الحيوان الذي يجرح صيده، أو بالمعنى الآخر الحيوان الذي يكسب لصاحبه، و أمّا إطلاق لفظة «الجوارح» على أعضاء الجسم فلأن الإنسان يستطيع بواسطتها إنجاز الأعمال أو الاكتساب.
و جملة وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ تشمل كل الحيوانات المدرّبة على
[١]- هناك محذوف مقدر في بداية هذه الجملة القرآنية، حيث إن الأصل يفترض أن يكون «و صيد ما علمتم» و ذلك استدلالا بالقرينة الواردة في جملة فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ... (فليلاحظ ذلك).