الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٩ - النجوى أو الهمس
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوى ... [١].
و النجوى إذا حصلت ابتداء في جمع من الناس، أثارت لديهم سوء الظّن حيالها، حتى أنّ سوء الظن قد يبدر من الأصدقاء حيال النجوى التي تحصل بينهم، و على هذا الأساس فإنّ الأفضل أن لا يبادر الإنسان إلى النجوى إلّا إذا اقتضت الضرورة ذلك، و هذه هي فلسفة هذا الحكم الوارد في القرآن.
و بديهي أنّ سمعة الإنسان تستلزم- أحيانا- اتباع أسلوب النجوى، و من جملة هذه الموارد تأتي مسألة الصدقات أو المعونات المالية، التي أجاز القرآن استخدام النجوى بشأنها لحفظ ماء الوجه و سمعة الأشخاص الذين يتلقون هذه المعونات.
و المجال الآخر للنجوى هو عند الأمر بالمعروف، حيث أنّ هذا الأمر لو تمّ أحيانا بصورة علنية لأصبح سببا في فضيحة أو خجل الشخص المخاطب بالمعروف بين الناس الحاضرين، و قد يصبح سببا في أن يمتنع عن قبول ذلك و يقاوم هذا الأمر الذي عبّرت عنه الآية بالمعروف.
و الحالة الأخرى التي يجوز فيها النجوى هي في مجال الإصلاح بين الناس، الذي يقتضي أن يكون سريا أحيانا لضمان تحقيقه، إذ من الممكن لو أنّ الأمر تمّ بصورة علنية لحال دون حدوث الإصلاح، لذلك يجب أن يتمّ الإصلاح بالتحدث إلى كل طرف من أطراف النزاع بصورة خفية، أي بطريق النجوى.
إذن فالنجوى جائزة و قد تكون ضرورية في الحالات الثلاث التي مر الحديث عنها، و كذلك في حالات مشابهة.
و الملفت للنظر في الحالات الثلاث المذكورة أعلاه هو أنّها تأتي كلها ضمن معنى «الصدقة» و ذلك لأنّ من يأمر بالمعروف إنّما يدفع زكاة علمه، و من يسعى في إصلاح ذات البين يدفع بذلك زكاة قدرته و منزلته المؤثرة في الناس.
[١]- المجادلة، ٩.