الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - شرائط قبول التوبة
محسوسة، و في هذه الحالة من الطبيعي أن يندم كل مجرم على جرمه و أفعاله السيئة، و يفرّ منها فرار الذي يرى اقتراب ألسنة اللهب من جسمه.
و من المسلم أن التكليف الإلهي و الإختيار الرباني للبشر لا يقوم على أساس هذا النوع من المشاهدات و المكاشفات، بل يقوم على أساس الإيمان بالغيب، و المشاهدة بعيني العقل و القلب.
و لهذا نقرأ في الكتاب العزيز أنّ أبواب التوبة كانت تغلق في وجه بعض الأقوام العاصية عند ظهور طلائع العذاب الدنيوي و النقمة العاجلة، و للمثال نقرأ قول اللّه سبحانه عن فرعون إذ يقول: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [١].
كما يستفاد من بعض الآيات القرآنية (مثل الآية ١٢ من سورة السجدة) إنّ العصاة يندمون عند ما يشاهدون العذاب الإلهي في الآخرة، و لكن لات حين مندم، فلا فائدة لندمهم في ذلك الوقت، إن هؤلاء أشبه ما يكونون بالمجرمين الذين إذا شاهدوا أعواد المشنقة و أحسوا بالحبل على رقابهم ندموا على جرائمهم و أفعالهم القبيحة، فمن الواضح أنّ مثل هذه التوبة و هذا الندم لا يعد فضيلة، و لا مفخرة و لا تكاملا، و لهذا لا يكون أي تأثير.
على أنّ هذه الآية لا تنافي الروايات التي نصت على إمكان قبول التوبة حتى عند اللحظة الأخيرة من الحياة، لأن المراد في هذه الروايات هي اللحظات التي لم تظهر فيها بعد ملامح الموت و آثاره و طلائعه، و بعبارة أخرى لم تحصل لدى الشخص العين البرزخية التي يقف بها على حقائق العالم الآخر.
هذا عن الطائفة الأولى الذين لا تقبل توبتهم، و هم من يتوبون عند ما تظهر أمام عيونهم ملامح الموت و تبدو عليهم آثاره.
[١]- يونس، ٩٠- ٩١.