الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٥ - العدالة الاجتماعية
و الإتيان بكلمة «القيام» في هذا المكان، يحتمل أن يكون بسبب أنّ الإنسان حين يريد القيام بأي عمل، يجب عليه أن يقوم على رجليه بصورة عامّة و يتابع ذلك العمل، و على هذا الأساس فإن التعبير هنا بالقيام كناية عن العزم و الإرادة الرّاسخة و الإجراء لإنجاز العمل، حتى لو كان هذا العمل من باب حكم القاضي الذي لا يحتاج إلى القيام لدى ممارسة عمله.
و يمكن أن يكون التعبير بالقيام جاء لسبب آخر، و هو أنّ كلمة «القائم» تطلق عادة على شيء يقف بصورة عمودية على الأرض دون أن يكون فيه انحراف إلى اليمين أو الشمال، و على هذا فإن المعنى المراد منه في الآية يكون تأكيدا لضرورة تحقيق العدالة دون أقل انحراف إلى أي جهة كانت.
و لتأكيد الموضوع جاءت الآية بكلمة «الشهادة» فشددت على ضرورة التخلي عن كل الملاحظات و المجاملات أثناء أداء الشهادة، و أن يكون هدف الشهادة بالحق هو كسب مرضاة اللّه فقط، حتى لو أصبحت النتيجة في ضرر الشاهد أو أبيه أو أمه أو أقاربه شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ ....
و قد شاع هذا الأمر في كل المجتمعات، و بالأخص المجتمعات الجاهلية، حيث كانت الشهادة تقاس بمقدار الحبّ و الكراهية و نوع القرابة بين الأشخاص و الشاهد، دون أن يكون للحق و العدل أثر فيما يفعلون.
و قد نقل عن ابن عباس حديث يفيد أنّ المسلمين الجدد كانوا بعد وصولهم إلى المدينة يتجنبون الإدلاء بالشهادة لاعتبارات القرابة و النسب، إذا كانت الشهادة تؤدي إلى الإضرار بمصالح اقربائهم، فنزلت الآية المذكورة محذرة لمثل هؤلاء [١].
و لكن- و كما تشير الآية الكريمة- فإنّ هذا العمل لا يتناسب و روح الإيمان،
[١]- تفسير المنار، الجزء الخامس، ص ٤٥٥.