الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٦ - العدالة الاجتماعية
لأنّ المؤمن الحقيقي هو ذلك الشخص الذي لا يعير اهتماما للاعتبارات في مجال الحق و العدل، و يتغاضى عن مصلحته و مصلحة أقاربه من أجل تطبيق الحق و العدل.
و تفيد هذه الآية أنّ للأقارب الحق في الإدلاء بالشهادة لصالح- أو ضد- بعضهما البعض، شرط الحفاظ على مبدأ العدالة (إلّا إذا كانت القرائن تشير إلى وجود انحياز أو تعصب في الموضوع).
و تشير الآية بعد ذلك عوامل الانحراف عن مبدأ العدالة، فتبيّن أنّ ثروة الأغنياء يجب أن لا تحول دون الإدلاء بالشهادة العادلة، كما أنّ العواطف و المشاعر التي تتحرك لدى الإنسان من أجل الفقراء، يجب أن تكون سببا في الامتناع عن الأدلاء بالشهادة العادلة حتى و لو كانت نتيجتها لغير صالح الفقراء، لأنّ اللّه أعلم من غيره بحال هؤلاء الذين تكون نتيجة الشهادة العادلة ضدهم، فلا يستطيع صاحب الجاه و السلطان أن يضرّ بشاهد عادل يتمتع بحماية اللّه، و لا الفقير سيبيت جوعانا بسبب تحقيق العدالة، تقول الآية في هذا المجال: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما.
و للتأكيد أكثر تحكم الآية بتجنّب اتّباع الهوى، لكي لا يبقى مانع أمام سير العدالة و تحقيقها إذ تقول الآية: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا [١].
و يتّضح من هذه الجملة- بجلاء- أن مصدر الظلم و الجور كلّه، هو اتّباع الهوى، فالمجتمع الذي لا تسوده الأهواء يكون بمأمن من الظلم و الجور.
و لأهمية موضوع تحقيق العدالة، يؤكّد القرآن هذا الحكم مرّة أخرى، فيبيّن أنّ اللّه ناظر و عالم بأعمال العباد- فهو يشهد و يرى كل من يحاول منع صاحب
[١]- يمكن أن تكون عبارة «تعدلوا» اشتقاقا إمّا من مادة «العدالة» أو من مادة «العدول» فإن كانت من مادة «العدالة» يكون معنى الجملة القرآنية هكذا: فلا تتبعوا الهوى لأن تعدلوا أي لكي تستطيعوا تحقيق العدل، و أما إذا كانت من مادة «العدول» يكون المعنى هكذا: فلا تتبعوا الهوى في أن تعدلوا أي لا تتبعوا الهوى في سبيل الانحراف عن الحق.