الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٥ - دعوة مؤكّدة إلى العدالة
الآخرين، لأنّ العدالة أرفع و أسمى من كل شيء، فتقول الآية الكريمة: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ... و تكرر الآية التأكيد لبيان ما للعدل من أهمية قصوى فتقول اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى.
و بما أنّ العدالة تعتبر أهم أركان التقوى، تؤكّد الآية مرّة ثالثة قائلة: وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.
و الفرق بين فحوى هذه الآية و الآية المشابهة لها الواردة في سورة النساء، يتحدد من عدّة جهات:
أوّلا: إنّ الآية الواردة في سورة النساء دعت إلى إقامة العدل و الشهادة للّه، أمّا الآية الأخيرة فقد دعت إلى القيام للّه و الشهادة بالحق و العدل، و لعل وجود هذا الفارق لأنّ الآية الواردة في سورة النساء استهدفت بيان ضرورة أن تكون الشهادة للّه، لا لأقارب و ذوي الشاهد، بينما الآية الأخيرة و لكونها تتحدث عن الأعداء أوردت تعابير مثل الشهادة بالعدل و القسط أي تجنب الشهادة بالظلم و الجور.
ثانيا: أشارت الآية الواردة في سورة النساء إلى واحد من عوامل الانحراف عن العدالة، بينما الآية الأخيرة أشارت إلى عامل آخر في نفس المجال، فهناك ذكرت الآية عامل الحب المفرط الذي لا يستند على تبرير أو دليل، بينما ذكرت الآية الأخيرة الحقد المفرط الذي لا مبرر له.
و لكن الآيتين كليهما تتلاقيان في عامل إتّباع الأهواء و النزوات التي تتحدث عنها الآية الأولى في جملة: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ... لأنّ الهوى مصدر كلّ ظلم و جور ينشأ من الاندفاع الأعمى وراء الأهواء و المصالح الشخصية، لا من دافع الحب أو الكراهية، و على هذا الأساس فإنّ المصدر الحقيقي للانحراف عن العدل هو نفس إتّباع الهوى، و
قد جاء في كلام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم