الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠ - المسلمون في بوتقة الاختبار و الفرز
شيء من تلك الغيوب و يوقفهم على بعض الأسرار بحكم احتياج القيادة الرسالية إلى ذلك، و تبقى الأعمال- مع ذلك كلّه- هي الملاك الوحيد و المعيار الخالد و المسار الأبدي لمعرفة الأشخاص و تمييزهم و تصنيفهم.
و من هذه العبارة يستفاد أنّ الأنبياء- بحسب ذواتهم- لا يعرفون شيئا من الغيب، كما و يستفاد منها أنّ ما يعلمونه منه إنما هو بتعليم اللّه لهم و اطلاعهم على شيء من الغيوب، و على هذا الأساس يكون الأنبياء ممن يطلعون على الغيب، كما أن مقدار علمهم بالغيب يتوقف على المشيئة الإلهية.
و من الواضح و المعلوم أنّ المراد من المشيئة الإلهية في هذه الآية- كغيرها من الآيات- هو «الإرادة المقرونة بالحكمة» أي أنّ اللّه سبحانه يطلع على الغيب كلّ من يراه صالحا لذلك، و تقتضي حكمته سبحانه ذلك.
ثمّ أنّه تعالى يذكرهم- في ختام الآية- بأن عليهم- و هو الآن في بوتقة الحياة، بوتقة الامتحان الكبير، بوتقة التمييز بين الصالح و الطالح، و الطيب و الخبيث، و المؤمن و المنافق- عليهم أن يجتهدوا لينجحوا في هذا الامتحان و يخرجوا مرفوعي الرؤوس من هذا الاختبار العظيم، إذ يقول: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
ثمّ أن الملاحظة الملفتة للنظر و الجديرة بالتأمل في هذه الآية التعبير عن المؤمن بالطيب، و من المعلوم أن الطيب هو الباقي على أصل خلقته الذي لم تشبه الشّوائب، و لم يدخل في حقيقة الغرائب. و لم تلوثه الكدورات، فالماء الطاهر الطيب، و الثوب الطيب الطاهر و ما شابه ذلك هو الذي لم تلوثه الكدورات، و يستفاد من هذا أن الإيمان هو فطرة الإنسان الأصلية، و هو جبلته الأولى.