الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - المسلمون في بوتقة الاختبار و الفرز
الصفوف، و تتمّ عملية الفرز بين الطيب الطاهر، و الخبيث الرجس. و هذا قانون عام و سنة إلهية خالدة و شاملة، فليس كلّ من يدعي الإيمان، و يجد مكانا في صفوف المسلمين يترك لشأنه، بل ستبلى سرائره، و تنكشف حقيقته في الآخرة بعد الاختبارات الإلهية المتتابعة له.
و هنا يمكن أن يطرح سؤال (و هو السؤال الذي كان مطروحا بين المسلمين آنذاك أيضا حسب بعض الأحاديث و الرّوايات) و هو: إذا كان اللّه عالما بسريرة كل إنسان و أسراره فلما ذا لا يخبر بها الناس- عن طريق العلم بالغيب- و يعرفهم بالمؤمن و المنافق؟
إنّ المقطع الثّاني من الآية و هو قوله: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ يجيب على هذا السؤال. أي أن اللّه سبحانه لن يوقفكم على الأسرار، لأن الوقوف على الأسرار- على عكس ما يظن كثيرون لا يحلّ مشكلة، و لا يفكّ عقدة، بل سيؤدي إلى الهرج و المرج و الفوضى، و إلى تمزق العلاقات الاجتماعية و انهيارها، و انطفاء شعلة الأمل في النفوس و تبدده، و توقف الناس عن الحركة و النشاط و الفعالية.
و الأهم من كلّ ذلك هو أنّه لا بدّ أن تتضح قيمة الأشخاص من خلال المواقف العملية و السلوكية، و ليس عن أي طريق آخر، و مسألة الاختبار الإلهي لا تعني سوى هذا الأمر، و لهذا فإن الطريق الوحيد لمعرفة الأشخاص و تقويمهم هو أعمالهم فقط [١].
ثمّ إنّ اللّه سبحانه يستثني الأنبياء من هذا الحكم إذ يقول: وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ أي أنّه يختار في كل عصر من بين أنبيائه من يطلعهم على
[١]- لقد مرّ طرح هذا السؤال بالتفصيل عند تفسير قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ ... و أجبنا هناك بأن الامتحان الإلهي- هو في الحقيقة- نوع من التربية العملية للبشر، و لا يعني الاستخبار و الاستعلام، و لمزيد الاطلاع راجع ذلك البحث.