الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦٨ - بنو إسرائيل و الأرض المقدسة
و ربما كان سبب ورود الجملة الأخيرة، هو أنّ موسى عليه السّلام قد ثارت عاطفته بعد أن علم بالعذاب الذي كتبه اللّه على بني إسرائيل، فطلب من اللّه العفو لقومه- كما ورد في التوراة المتداولة- فأجابه برد سريع أوضح له أن بني إسرائيل يستحقون ذلك العذاب، و هم لا يستحقون العفو الإلهي لأنّهم أناس فاسقون و عصاة، متكبرون، و من كان هذا شأنه سيلاقي- حتما- مثل هذا المصير.
و يجب الانتباه إلى أنّ حرمان بني إسرائيل من الدخول إلى الأرض المقدسة، لم يكن له طابع للانتقام (كما أن جميع العقوبات الإلهية ليس فيها طابع انتقامي، بل هي إما أن تكون لأجل تقويم شخصية الفرد، أو تكون نتيجة لأخطائه و معاصيه.
و قد اشتمل هذا الحرمان على فلسفة خاصّة، حيث تحرر بنو إسرائيل بعد معاناة طويلة قاسوها في ظل الكبت و القمع الفرعوني اللذين خلفا فيهم عقد الإحساس باحتقار النفس و الذل و الضعة و النقص، لذلك فهم لم يبدوا استعدادا لتطهير أنفسهم و أرواحهم في تلك الفترة بعد التحرر و في ظل قيادة و زعامة نبيّهم موسى عليه السّلام كما لم يكونوا مستعدين لتلك القفزة المعنوية التي كان من شأنها أن تهيء لهم حياة جديدة مقرونة بالفخر و العز و السؤدد، و جوابهم لموسى عليه السّلام- الذي اشتمل على رفضهم الدخول إلى ميدان الجهاد التحرري في الأرض المقدسة- خير دليل على هذه الحقيقة.
لذلك كان من الضروري أن يعاني بنو إسرائيل من التيه و الضياع في الصحراء، ليزول الجيل الضعيف العاجز منهم بشكل تدريجي و ليحل محله جيل جديد في محيط الصحراء، محيط الحرية و في أحضان التعاليم الإلهية، و قد صقلت نفوسهم حياة الصحراء القاسية الضارية، و وهبت لأرواحهم و أنفسهم القوة و القدرة، و أعدتهم لخوض غمار ذلك الجهاد ليقيموا حكومة الحق في تلك الأرض المقدسة!