الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦٧ - بنو إسرائيل و الأرض المقدسة
و بديهي إنّ رفض بني إسرائيل القاطع لأمر نبيهم كان بمثابة الكفر، و ما استخدام القرآن لعبارة «الفاسق» بحق هؤلاء إلا لأن كلمة «الفسق» لها معان واسعة، و تشمل كل خروج و انحراف عن سنة العبودية للّه، و لذلك نقرأ في القرآن الكريم- حين التحدث عن انحراف الشيطان- قول اللّه تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... [١].
و تجدر هنا الإشارة إلى أنّ جملة: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ... الواردة في الآيات السابقة تدل على وجود قلة من اليهود كانت تخشى اللّه، و منهم الرجلان المذكوران في إحدى الآيات الأخيرة و هما «يوشع» و «كاليب» بينما نلاحظ أن موسى عليه السّلام لا يذكر هنا غير نفسه و أخيه، و لا يذكر و لو حتى بالتلميح أحدا من تلك القلّة، و قد يكون السبب هو أن هارون لكونه الوصي لأخيه موسى عليه السّلام و لكونه أبرز شخصية في بني إسرائيل من بعد موسى عليه السّلام ... لذلك ذكر اسمه دون غيره.
و كانت نتيجة صلف و عناد بني إسرائيل أنّهم لاقوا عقابهم، إذ استجاب اللّه دعاء نبيه موسى عليه السّلام، فحرم عليهم دخول الأرض المقدسة، المليئة بالخيرات مدّة أربعين عاما، و في هذا المجال تقول الآية القرآنية الكريمة: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ....
و زادهم عذابا إذ كتب عليهم التيه و الضياع في البراري و القفار طيلة تلك الفترة، حيث تقول الآية في ذلك: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ... و قد سميت الصحراء التي تاه فيها بنو إسرائيل باسم «التيه» أيضا، و كانت جزءا من صحراء سيناء، كما ذكرنا في الجزء الأوّل من تفسيرنا هذا.
بعد ذلك تذكر الآية أنّ ما نال بني إسرائيل من عذاب في تلك المدة، كان مناسبا لما فعلوه، و تطلب من موسى عليه السّلام أن لا يحزن على المصير الذي لا قوه حيث تقول الآية الكريمة: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.
[١]- الكهف، ٥٠.